المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 41
الماء، ثمّ يوردون الجحيم.
ونقول: فأكلهم الزّقّوم أيضا وبناء على ذلك يكون قبل رجوعهم إلى الجحيم لا بعده، مع أنّ شجرة الزّقّوم تخرج من أصل الجحيم فكيف يأكلونها في خارجها مع أنّ باقي الآيات ولا سيّما الآيتان (7 و8) وهما في وصف جهنّم مشعرة بأنّ شرب الحميم يكون في الجحيم. قال في (8) : لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا* إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا، وهذا دلّ على أنّ كلمة (ثمّ) لا تدلّ على التّأخير في الزّمان أو في المكان بل على صعوبة العمل، والخلل فيه، فلاحظ.
الآيتان (7 و8) وقد جاء فيهما حميم مع غسّاق، وفيهما بحوث:
1 -قال الفرّاء في (7) : هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ:"قد رفعت الحميم والغسّاق ب (هذا) مقدّما ومؤخّرا، والمعنى: هذا حميم وغسّاق فليذوقوهما، وإن شئت جعلته مستأنفا، وجعلت الكلام قبله مكتفيا، كأنّك قلت: هذا فليذوقوه، ثمّ قلت: منه حميم، ومنه غسّاق".
وقال الطّبرسيّ:" (هذا) مبتدأ و (حميم) خبره، و (غسّاق) معطوف عليه، وفَلْيَذُوقُوهُ خبر بعد خبر، والتّقدير: هذا حميم وغسّاق فليذوقوه، ويجوز أن يكون (هذا فليذوقوه) مبتدأ وخبر، و (حميم) خبر مبتدإ محذوف، أي هو حميم، ويجوز أن يكون (هذا) في موضع نصب بفعل مضمر يفسّره هذا الظّاهر"، وقال نحوهما الفخر الرّازيّ (26: 221) .
ونقول: لا شكّ أنّ حميما وغسّاقا مذوقان مهما كان إعراب الآية- مع ما في القولين من التّكلّف الخارج عن البلاغة- كما قال في (8) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا* إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا أي يذوقونهما.
2 -جاء فيهما يَذُوقُونَ* بدل"يطعمون"، قال الطّبرسيّ:"لأنّ الذّائق يدرك الطّعم بعد طلبه، فهو أشدّ إحساسا به"، ونقول: أريد به تشديد العذاب بإحساس طعمه إحساسا بالغا.
3 -الحميم فيهما: الماء الحارّ المغليّ- كما سبق- أمّا الغسّاق فاختلفوا فيه بين الماء البارد والقيح النّتن وغيرهما، كما اختلفوا في قراءته. قال الطّبرسيّ:(5:
424)نقلا عن ابن عبّاس وأبي عبيدة: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا، يريد النّوم والماء، ثمّ قال:"و قيل:"
لا يذوقون في جهنّم بردا ينفعهم من حرّها، ولا شرابا ينفعهم من عطشها عن مقاتل". لاحظ غ س ق:"
"غسّاق"، وب ر د:"بردا".
الآية (9) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ قالوا في إعراب الآية: (اذ) متعلّق ب (يعلمون) فيما قبلها فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ أي يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم. ويُسْحَبُونَ - والسّحب: الجرّ- وفيه وجهان:
الأوّل عن ابن جنّيّ، كما نقله الطّبرسيّ (4: 532) :
أنّه جملة فعليّة عطف على جملة اسميّة: الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ أي ويسحبون السّلاسل. فجمع بين الأغلال في أعناقهم وبين السّلاسل يجرّونها على الأرض لطولها.
والثّاني: ما قاله الطّبرسيّ أنّ يُسْحَبُونَ حال أي الأغلال في أعناقهم، وفي نفس الوقت يسحبون