المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 42
السّلاسل، فيظهر منه أيضا أنّ السّحب يكون في السّلاسل، لكنّه قال في تفسير الآية:"يسحبون في الحميم أي يجرّون في الماء الحارّ الّذي قد انتهت حرارته"فأرجع (يسحبون) - وقد ختمت به الآية رعاية للرّويّ- إلى ما بعدها، وعطف عليه ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ.
وعليه فتكون السّلاسل عطفا على الأغلال، أي إذ الأغلال والسّلاسل في أعناقهم.
ويبدو أنّ هذا أقرب إلى الذّوق القرآنيّ؛ حيث جمع بين المماثلات: بين"الأغلال والسّلاسل"وبين"يسحبون ويسجرون"أي بين السّحب في الماء والسّجر في النّار مضافا إلى أنّ الصّحيح على الوجه الأوّل أن يقرأ (يسحبون) معلوما و (السّلاسل) مفتوحا كما روي عن ابن مسعود. فاختلاف الإعراب ناشى ء عن اختلاف القراءة.
وعلى الوجه الثّاني يوافق الفعلان (يسحبون) و (يسجرون) في البناء على المفعول. لاحظ"غ ل ل، وس ل س ل، وس ح ب، وس ج ر".
والآيتان (10 و11) وتمامهما: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ* طَعامُ الْأَثِيمِ* كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ* كَغَلْيِ الْحَمِيمِ* خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ* ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ* ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ وفيهما بحوث أيضا:
1 -جاء في صدرها (الحميم) بعد شجرة الزّقّوم أيضا، كما في آيات"الصّافّات والواقعة"بتفاوت: وهو أنّ المذكور في تلك الآيات: شرب الحميم على أكل الزّقّوم مالئون منها البطون، وفي هذه الآيات بدل ذلك:
طَعامُ الْأَثِيمِ* كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ* كَغَلْيِ الْحَمِيمِ، فذكر الطّعام بدل الأكل، والغلي في البطون بدل مل ء البطون، فجعل الغلي مرّة للطّعام، ومرّة للحميم، أي كلّ من الطّعام والشّراب يغلي في البطون. وبهذا يخطر بالبال الخلط والشّوب بينهما المذكور في (6) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ.
2 -جعل الطّعام فيها أيضا- كما في تلك- نفس شجرة الزّقّوم دون ثمرها مبالغة، لكنّه قيّدها ب الْأَثِيمِ* كَالْمُهْلِ، و (الاثيم) هنا صيغة مبالغة، وهو الّذي يصدر عنه الإثم كثيرا- وقالوا: أريد به أبو جهل- و (المهل) : المذاب من النّحاس أو الرّصاص أو الذّهب والفضّة أو درديّ الزّيت. لاحظ"أ ث م، وم ه ل".
3 -جاء"الحميم"- وهو الماء الحارّ المغليّ- وكذا"الأكل"في الآيات السّابقة شرابا لهم بعد أن ملؤوا بطونهم أكلا، من دون أن يكون لهما غليان في البطون، أمّا في هذه الآيات جعل للمأكول والمشروب الغليان في البطون، فهذا السّياق أشدّ وآكد في العذاب من تلك الآيات.
4 -وجاء في ذيلها: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ، وهذا يضاعف في عذابه؛ حيث إنّه بعد أن ابتلي بغليان الزّقّوم والحميم في بطنه زيد عذابه بصبّ الحميم فوق رأسه تعبيرا عنه ب (عذاب الحميم) كأنّهم يصبّون عليه العذاب رأسا دون الحميم، ليعذّب به.
وهذا السّياق أيضا فيه ألوان من المبالغة والتّشديد، مثل: أمر الملائكة بالصّبّ، فوق الرّأس، عذاب الحميم.
الآية (12) وتمامها: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ