المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 43
ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ* يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ* وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ* كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ، وفيها بحوث أيضا:
1 -ليس فيها ذكر عن الأكل والشّرب والطّعام والغلي وغيرها سوى يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ، المذكور في (11) ولكن أضيف إليه هنا أمور كلّها يصوّر شدّة العذاب أيضا، وهي: قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ، وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ، كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها، وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ، وكلّها جديد في هذه سوى الأخيرة: ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ، فقد جاء بدلها في (11) : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ، فجاء فيهما"الذّوق"أيضا، كما جاء في (7) و (8) .
2 -وقد جاء في (11) عَذابِ الْحَمِيمِ وفي (12) عَذابَ الْحَرِيقِ، والحميم والحريق متقاربان لفظا ومعنى، فالأوّل: صفة للماء المغليّ، والثّاني: صفة للنّار المشتعل.
3 -وقد ذكر هنا بدل الغلي في البطون المذكور في (10) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، قال الطّبرسيّ (4: 28) :"أي يذاب وينضج بذلك الحميم ما فيها- أي في البطون- من الأمعاء وتذاب به الجلود".
لاحظ"ب ط ن، وج ل د، وص ه ر".
4 -جاء الحميم معرّفا باللّام في الآيات (9 - 12) ، وليس ذكر عنه فيما قبلها، فاللّام فيها إمّا للعهد الذّهنيّ أو للجنس، أو للتّعظيم والتّهويل، كأنّه شي ء مهيب، كما أنّ التّنكير فيه حيثما ذكر للتّعمية والتّهويل أيضا، كما سبق.
الآية (13) : كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ وفيها بحوث أيضا:
1 -جاء فيها لأهل النّار وهم خالدون فيها سُقُوا ماءً حَمِيمًا بدل الشّرب في غيرها، كما جاء فيها:
فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ بدل يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ المذكور في (12) .
2 -جاء"حميم"دائما وصفا من دون ذكر الموصوف، إلّا هنا فقد ذكرا معا ماءً حَمِيمًا وهذا يفسّر سائر الآيات بأنّ المراد بها: الماء الحميم.
3 -وجاء فيها ذكر (النّار) مكانا لهم، كما جاءت في (9) : ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ، وإنّما جاء في غيرهما بدل (النّار) : (جهنّم) أو (جحيم) أو (الزّقّوم) . نعم جاءت (النّار) في (12) جنسا للثّياب (ثياب في النار،) لا مكانا للخالدين.
الآية (14) : يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ، وفيها يحوث أيضا:
1 - (ان) أصله"آنى"يقال: آن الماء، إذا انتهى في الحرّ نهايته. وهو وصف تأكيديّ ل (حميم) من غير لفظه، فإنّ"الحميم"- كما سبق- هو أيضا الماء الحارّ المغليّ البالغ نهايته. لاحظ"أ ن ي".
2 -يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ دلّ على أنّهم في جهنّم لا يستقرّون في مكان واحد منها، بل يطوفون فيها من شدّة العذاب، وهم عطاشى فيفتّشون فيها عن الماء، إلّا أنّهم في تطوافهم وتفتيشهم لا يجدون سوى ماء حميما آن، فكأنّهم يطيفون بين جهنّم وبين هذا الماء،