المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 44
لا أنّهم يخرجون عنها ويطلبون الماء خارجها كما ربّما يستظهر من يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ.
قال الطّبرسيّ (5: 206) :"أي يطوفون مرّة بين الجحيم ومرّة بين الحميم، فالجحيم: النّار، والحميم:"
الشّراب، عن قتادة. وقيل: معناه أنّهم يعذّبون بالنّار مرّة ويجرعون من الحميم يصبّ عليهم، ليس لهم من العذاب أبدا فرج، عن ابن عبّاس"."
وقال الفخر الرّازيّ:"قوله: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ، هو كقوله: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ الكهف: 29، وكقوله: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها السّجدة: 20، لأنّهم يخرجون فيستغيثون فيظهر لهم من بعد مائع، هو صديدهم المغليّ، فيظنّونه ماء. فيردون عليه، كما يرد العطشان، فيقعون ويشربون منه شرب الهيم. فيجدونه أشدّ حرّا فيقطع أمعاءهم. كما أنّ العطشان إذا وصل إلى ماء مالح لا يبحث عنه ولا يذوقه، وإنّما يشربه عبّا فيحرق فؤاده، ولا يسكن عطشه."
وقوله: (حميم) إشارة إلى ما فعل فيه من الإغلاء، وقوله: (ان) إشارة إلى ما قبله، وهو كما يقال: قطعته فانقطع، فكأنّه حمته النّار فصار في غاية السّخونة"."
ونقول: كلام هؤلاء دلّ على أنّ أهل النّار يخرجون عن الجحيم فيجدون الحميم خارجها، وليس في الآيات ما يدلّ على خروجهم عنها، فلاحظ.
المحور الثّاني: جاء (حميم) بمعنى الصّديق 5 مرّات، في (15 - 19) وفيها بحوث:
1 -قد سبق في الأصول اللّغويّة وجه المناسبة بين هذا المعنى وبين الماء الحارّ المغليّ، وهو شدّة القرب والوصل. وهل هذا مجاز، أو توسعة في المعنى حتّى صار حقيقة؟ وهذا هو الصّواب عندنا في تحوّل اللّغات من معنى إلى آخر لمناسبة بينهما، فلو كان مجازا ابتداء فهو حقيقة استدامة.
2 -جاء (حميم) فيها منفيّا وعقوبة لأهل النّار في الآخرة، إلّا في (19) فجاء فيها مثبتا توصية للنّبيّ عليه السّلام أو للمؤمنين عامّة على صعيد أدب العشرة مع الآخرين في المجتمع، مع تفاوت بينها من ناحية الموصوف بهذا الوصف:
أ- جاء في (15) نقلا عن أهل النّار قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ* تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ* وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ* فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ* وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ* فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فإنّهم يعترفون بضلالهم في عبادة الأصنام وتسويتهم إيّاها بربّ العالمين، وبأنّ المجرمين قد أضلّوهم، وفي نفس الوقت يتمنّون الرّجوع إلى الدّنيا بغية للإيمان مع المؤمنين، وهم يشكون فقد الشّفيع والصّديق هناك: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ* وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ، أي صديق يهتمّ بأمرهم قريبا بهم، ليستأنسوا به ويخلصوا به عن النّار، فجاء فيها صَدِيقٍ حَمِيمٍ بعد (شافعين) .
ب- وجاء في (16) ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ فجمع فيها بين (حميم) بلا موصوف وبين (شفيع) مع صفة.
ج- وجاء (حميم) في (17 و18) بلا موصوف.