المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 68
فَأَنْزَلَ اللَّهُ وبين الفاعلين ما لا يخفى.
ثانيها: جعل للكافرين الحميّة وللمؤمنين السّكينة، وبين المفعولين تفاوت، على ما سنذكره.
ثالثها: أضاف الحميّة إلى الجاهليّة وأضاف السّكينة إلى نفسه؛ حيث قال: حميّة الجاهليّة، وقال: سكينته، وبين الإضافتين ما لا يذكر.
الثّانية: زاد المؤمنين خيرا بعد حصول مقابلة شي ء بشي ء: فعلهم بفعل اللّه والحميّة بالسّكينة والإضافة إلى الجاهليّة بالإضافة إلى اللّه تعالى، وألزمهم كلمة التّقوى، وسنذكر معناه.
وأمّا اللّفظيّة فثلاث لطائف:
الأولى: قال في حقّ الكافر: (جعل) وقال في حقّ المؤمن: (انزل) ، ولم يقل: خلق، ولا جعل سكينته إشارة إلى أنّ الحميّة كانت مجعولة في الحال في العرض الّذي لا يبقى، وأمّا السّكينة فكانت كالمحفوظة في خزانة الرّحمة معدّة لعباده فأنزلها.
الثّانية: قال الحميّة ثمّ أضافها بقوله: حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ لأنّ الحميّة في نفسها صفة مذمومة، وبالإضافة إلى الجاهليّة تزداد قبحا، وللحميّة في القبح درجة لا يعتبر معها قبح القبائح كالمضاف إلى الجاهليّة.
الثّالثة: قوله: فَأَنْزَلْنا* بالفاء لا بالواو إشارة إلى أنّ ذلك كالمقابلة ... (28: 101)
القرطبيّ: (الحميّة) فعيلة، وهي الأنفة. يقال:
حميت عن كذا حميّة بالتّشديد ومحميّة، إذا أنفت منه وداخلك عار وأنفة أن تفعله. [ثمّ استشهد بشعر]
نحوه أبو حيّان. (8: 99)
البيضاويّ: (الحميّة) : الأنفة، حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ الّتي تمنع من الإذعان للحقّ. (2: 404)
السّمين: حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ بدل من (الحميّة) قبلها، والحميّة: الأنفة من الشّي ء. [ثمّ استشهد بشعر]
وهي المنع، ووزنها"فعيلة"وهو المصدر، يقال:
حميت عن كذا حميّة. (6: 165)
الشّربينيّ: أي المنع الشّديد، والإباء الّذي هو في شدّة حرّه، ونفوذه في أشدّ الأجسام كالسّمّ والنّار. [ثمّ استشهد بشعر إلى أن قال:]
حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ بدل من (الحميّة) قبلها. ووزنها"فعيلة"وهي مصدر، يقال: حميت من كذا حمية.
وحَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ هي الّتي مدارها مطلق المنع، سواء كان بحقّ أم باطل، فتمنع من الإذعان للحقّ، ومبناها على التّشفّي على مقتضى الغضب لغير اللّه، فتوجب تخطّي حدود الشّرع، ولذلك أنفوا من دخول المسلمين مكّة المشرّفة لزيارة البيت العتيق الّذي النّاس فيه سواء.
أبو السّعود: أي الأنفة والتّكبّر متعلّق به أو بمعنى التّصيير، فهو متعلّق بمحذوف هو مفعول ثان له، أي جعلوها ثابتة راسخة في قلوبهم حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ بدل من الحميّة، أي حميّة الملّة الجاهليّة، أو الحميّة النّاشئة من الجاهليّة. (6: 106)
البروسويّ: أي الأنفة والتّكبّر"فعيلة"من: حمى من كذا حميّة، إذا أنف منه. [ثمّ ذكر كلام الرّاغب وأضاف:]