المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 75
سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ؟
قيل: يعود على الذّهب والفضّة لقربهما. قال البيضاويّ:"إنّما قال: (عليها) والمذكور شيئان، لأنّ المراد بهما دنانير ودراهم كثيرة، كما قال عليّ رضى اللّه عنه: أربعة آلاف وما دونها نفقة، وما فوقها كنز".
وقيل: يعود على الكنوز، قال الثّعلبيّ:"يدخل النّار مرتديا بعض الكنوز". وقال الخازن:"فيوقد عليها حتّى تبيضّ من شدّة الحرارة".
4 -قرئ (تحمى) بالتّاء، أي تحمى النّار عليها، قال البيضاويّ:"أصله تحمى بالنّار، فجعل الإحماء للنّار مبالغة، ثمّ حذفت (النّار) وأسند المجرور تنبيها على المقصود، فانتقل من صيغة التّأنيث إلى صيغة التّذكير".
ونقول: يبدو أنّه قد أشكل عليهم يُحْمى عَلَيْها إذ جاء فيها (يحمى) مبنيّا للمفعول مذكّرا مع أنّ النّار مؤنّثة و (عليها) مع أنّه يقال: أحميت النّار ولا يقال:
أحميت عليها؟ فعالجها كلّ منهم بطريقة لا يخلو شي ء منها من تكلّف، فإنّ (النّار) ذكرت بعدها: يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ ولا يصحّ (تحمى النّار عليها في نار جهنّم) فاكتفى عن ذكرها في (يحمى) ب نارِ جَهَنَّمَ بعدها، والمعنى يحمى حمى شديدا واقعا على الأموال والذّهب والفضّة في نار جهنّم أي تقع الحرارة عليها وتحيط بها من قبل نار جهنّم المحيطة بها.
ففيه معنى الإسخان والإحماء أي إيجاد الحرارة دون الإيقاد. كما قال ابن عاشور:"الحمي: شدّة الحرارة يقال:"
حمي الشّي ء إذا اشتدّ حرّه ... وعدّي ب (على) الدّالّة على الاستعلاء المجازيّ لإفادة أنّ الحمي تمكّن من الأموال بحيث تكتسب حرارة الحمّى كلّها، ثمّ أكّد معنى التّمكّن بمعنى الظّرفيّة فِي نارِ جَهَنَّمَ ... أي شديدة الحرارة"وقريب منه كلام المصطفويّ وهذه نظير تَصْلى نارًا حامِيَةً. لاحظ ج ب ه، وج ن ب."
ب- حامية في (2) : تَصْلى نارًا حامِيَةً، وفيها بحوث:
1 -قالوا في نارًا حامِيَةً في الآيتين (2 و3) : نارا حارّة قد انتهى حرّها، اشتدّ حرّها، دائمة الحمى، ليست كنار الدّنيا الّتي ينقطع حميها بانطفائها، الّتي هي في غاية الحرارة، المتوقّدة المتوهّجة، مؤذية مؤلمة، بحسب ما تزاولها في الدّنيا من الأعمال، قد أوقدت وأحميت المدّة الطّويلة، فلا حرّ يعدل حرّها، تجاوز حرّها المقدار المعروف، لأنّ"الحمي"من لوازم ماهيّة النّار، فلمّا وصفت ب (حامية) كان دالّا على شدّة الحمى، قال تعالى:
نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الهمزة: 6، إشارة إلى أنّها نار ذات صفة خاصّة، على خلاف المعهود من نار الدّنيا.
وهذا الوصف يعطي وصفا جديدا لها، الّتي قد حميت من الوقود عليها، سائر النّيران بالنّسبة إليها، كأنّها ليست حامية. وهذا القدر كاف في التّنبيه على قوّة سخونتها، شديدة الحرارة قويّة اللّهب والسّعير، نار ملتهبة.
وفيه إيماء إلى أنّ جميع النّيران إذا قيست بها ووزنت وقارنت حالها بحالها لم تكن حامية، وذلك دليل على قوّة حرارتها وشدّة إسعارها.
وصف النّار ب (حامية) من قبيل التّوكيد اللّفظيّ، لأنّ النّار لا تخلو عن الحمى فوصفها به وصف بما هو من معنى