فهرس الكتاب

الصفحة 9149 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 77

تحصيل مصالح نفسه، وأمّا البهيمة إذا أعتقت وتركت، لم تقدر على رعاية مصالح نفسها، فوقعت في أنواع من المحنة، أشدّ وأشقّ ممّا كانت حال ما كانت مملوكة، فظهر الفرق"."

4 -إن قيل: لم ألغى الإسلام عادة أهل الجاهليّة في تسبيبهم الحامي من الإبل، وهو ضرب من الاعتراف بالجميل ورفق بالحيوان، كما تناوي به بعض الجمعيّات في عصرنا هذا؟

قلنا: إنّ تلك العادة تقضي بهدر الثّروة والإضرار بالاقتصاد وتعطيل الأعمال. ثمّ إنّ هذا الإجلال والتّقدير لبهيمة لا تعي ولا تدرك، لضرب من الجهل والنّزق. وقد أقدمت البحريّة الدّنماركيّة في الآونة الأخيرة على هذا النّمط من العمل الجاهليّ، فأثار عجب شعوب العالم وسخريّتها بحكومة الدّنمارك وجيشها؛ إذ كرّمت بطريقا، طائر القطب المعروف! فمنحته رتبة عقيد، وأحالته على التّقاعد خلال استعراض عسكريّ! فأصبح مسيّبا طليقا كالحامي عند الجاهليّة البائدة!

المحور الثّالث: الحميّة

الآية (5) : فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ، وفيها بحوث أيضا:

1 -الحميّة: الأنفة والغضب- كما تقدّم في اللّغة وقال بعضهم: العصبيّة والجبريّة والإباء وثوران القوّة الغضبيّة ونحوها، وكلّها لازم الأنف، وهي في"الحمي"بمعنى المنع- وأوّلت هنا بعدم إقرار المشركين قول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ،* و"محمّد رسول اللّه". أو العصبيّة لآلهتهم دون عبادة غيرها، أو الاقتداء بآبائهم في عاداتهم وتقاليدهم.

2 -قال الفخر الرّازيّ:"فيه لطائف معنويّة ولفظيّة، الأولى: هو أنّ اللّه تعالى أبان غاية البون بين الكافر والمؤمن، فأشار إلى ثلاثة أشياء:"

أحدها: جعل ما للكافرين بجعلهم، فقال: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وجعل ما للمؤمنين بجعل اللّه، فقال:

فَأَنْزَلَ اللَّهُ، وبين الفاعلين ما لا يخفى.

ثانيها: جعل للكافرين الحميّة وللمؤمنين السّكينة، وبين المفعولين تفاوت ...

ثالثها: أضاف الحميّة إلى الجاهليّة، وأضاف السّكينة إلى نفسه؛ حيث قال: حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ، وقال:

(سكينته) ، وبين الإضافتين ما لا يذكر.

الثّانية: زاد المؤمنين خيرا بعد حصول مقابلة شي ء بشي ء، فعلهم بفعل اللّه، والحميّة بالسّكينة، والإضافة إلى الجاهليّة بالإضافة إلى اللّه تعالى، وألزمهم كلمة التّقوى ...

وأمّا اللّفظيّة فثلاث لطائف:

الأولى: قال في حقّ الكافر: (جعل) ، وقال في حقّ المؤمن: (انزل) ، ولم يقل: خلق، ولا جعل سكينته، إشارة إلى أنّ الحميّة كانت مجعولة في الحال في العرض الّذي لا يبقى. وأمّا السّكينة فكانت كالمحفوظة في خزانة الرّحمة، معدّة لعباد، فأنزلها.

الثّانية: قال: (الحميّة) ثمّ أضافها بقوله: حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ، لأنّ الحميّة في نفسها صفة مذمومة، وبالإضافة إلى الجاهليّة تزداد قبحا، وللحميّة في القبح درجة لا يعتبر معها قبح القبائح، كالمضاف إلى الجاهليّة.

3 -هل الحميّة ممقوتة مطلقا؟ يظهر من الأحاديث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت