المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 131
الأوّل: أنّ شريعتهما سهلة سمحة، ففي الحديث: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله:"لم يرسلني اللّه بالرّهبانيّة، ولكن بعثني بالحنيفيّة السّهلة السّمحة". وعن ابن عبّاس قال:
قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أيّ الأديان أحبّ إلى اللّه؟ قال:
"الحنيفيّة السّمحة".
والثّاني: أنّ النّبيّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من أبناء إبراهيم عليه السّلام، لأنّ ابنه إسماعيل عليه السّلام من زوجه هاجر تزوّج امرأة من جرهم، القبيلة العربيّة المنقرضة، فأنجب أولادا هم آباء العرب المستعربة، وكان نبيّنا من نسله، فهو ابن إبراهيم ووارث علمه وشريعته.
وذكر الفخر الرّازيّ وجها آخر فقال:"لمّا ثبت أنّ إبراهيم كان قائلا بالتّوحيد، وثبت أنّ النّصارى يقولون بالتّثليث، واليهود يقولون بالتّشبيه، فثبت أنّهم ليسوا على دين إبراهيم عليه السّلام، وأنّ محمّدا عليه السّلام لمّا دعا إلى التّوحيد، كان هو على دين إبراهيم". ويؤيّده (8) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا.
3 -أمر اللّه تعالى النّبيّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في (9) و (10) بإقامة وجهه للدّين حنيفا، دون ما ذكر في حال النّبيّ إبراهيم عليه السّلام. وهذا يدلّ على مرحليّة شريعة إبراهيم وخلود شريعة الإسلام، لأنّ لفظ الإقامة يفيد الاستمرار على الشّي ء والثّبات عليه.
ثانيا: جاء"حنفاء"في (11 و12) جمعا لحنيف، وفيه بحوث:
1 -أمر في (11) باجتناب الرّجس من الأوثان، واجتناب قول الزّور، في حال كونهم حنفاء للّه، غير مشركين به. وفسّر الفخر الرّازيّ الحنفاء هنا بالمخلصين. أي ائتمروا وانتهوا بما ذكر على وجه العبادة للّه وحده، لا على وجه إشراك غير اللّه به. ثمّ خلص إلى القول:"و هذا يدلّ على أنّ الواجب على المكلّف أن ينوي بما يأتيه من العبادة: الإخلاص".
وعدّ النّيسابوريّ معنى الحالين حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ التّولّي والتّبرّي، وقال:"و إنّما أخّر نفي الإشراك- وإن كان مقدّما في الرّتبة؛ إذ التّخلية والتّبرئة مقدّمة على التّحلية والتّولية- ليرتّب عليه قوله: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ."
ونرى أنّ الكلام على أصله، وليس ثمّة تأخير ولا تقديم خلافا للنّيسابوريّ، وأنّ معنى (حنفاء) مائلين إلى اللّه، أي إلى عبادته، وليس كما ذهب إليه الفخر الرّازيّ من أنّ (حنفاء) : مخلصين لأنّ (مخلصين) مذكور في (13) قبل حنفاء: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ فهما متغايران.
ومعنى اللّام الدّاخلة على لفظ الجلالة على هذا القول هو"إلى"، ونظيره قوله تعالى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها الزّلزلة: 5، أي أوحى إليها.
2 -ما أمر اللّه أهل الكتاب في (12) بأن يعبدوه ويخلصوا له الدّين فحسب، بل أمرهم أيضا أن يعبدوه حنفاء، فما فائدة ذلك؟ قال القاضي عبد الجبّار:"المراد مستقيمي الطّريقة، لأنّهم أمروا بأن يعبدوا اللّه مخلصين"