المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 141
صادف مراد اللّه منه، فإنّ اللّه لمّا خلقه قدّر له أن يكون عنصر إغواء إلى يوم القيامة، وأنّه يغوي كثيرا من البشر، ويسلم منه قليل منهم.
وإنّما اقتصر على إغواء ذرّيّة آدم، ولم يذكر إغواء آدم وهو أولى بالذّكر، إذ آدم هو أصل عداوة الشّيطان النّاشئة عن الحسد من تفضيله عليه، إمّا لأنّ هذا الكلام قاله بعد أن أغوى آدم وأخرج من الجنّة، فقد شفى غليله منه، وبقيت العداوة مسترسلة في ذرّيّة آدم، قال تعالى:
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فاطر: 6.
والاحتناك: وضع الرّاكب اللّجام في حنك الفرس ليركبه ويسيّره، فهو هنا تمثيل لجلب ذرّيّة آدم إلى مراده من الإفساد والإغواء بتسيير الفرس على حسب ما يريد راكبه. (14: 120)
مغنيّة: إبليس يهدّد بالانتقام لنفسه من ذرّيّة آدم لا لشي ء إلّا لأنّ اللّه كرّمه عليه، ينتقم منهم بأن يقودهم معه إلى معصية اللّه كما تقاد الدّابّة بحنكها. (5: 62)
الطّباطبائيّ: [نقل قول الطّبرسيّ المتقدّم في اللّغة وقال:] والظّاهر أنّ المعنى الأخير هو الأصل في الباب، والاحتناك: الإلجام. والمعنى: قال إبليس بعد ما عصى وأخذه الغضب الإلهيّ: ربّ أرأيت هذا الّذي فضّلته بأمري بسجدته، ورجمي بمعصيته، أقسم لئن أخّرتني إلى يوم القيامة؛ وهو مدّة مكث بني آدم في الأرض، لألجمنّ ذرّيّته إلّا قليلا منهم وهم المخلصون. (13: 145)
المصطفويّ: أي آخذ بالحنك، وأجعل الرّسن في الحنك، وأستولي عليهم، وأسوقهم إلى طرق الضّلال.
والاحتناك إمّا بإضلالهم من جهة الأفكار والعقائد الفاسدة والآراء المضلّة، أو من جهة رسوخ رذائل الأخلاق وخبائث الصّفات النّفسانيّة، وإمّا من ناحية الاعتياد بإتيان الأعمال المحرّمة والعادات المنهيّة.
فكلّ من هذه الأصناف الثّلاثة إذا ثبتت وأديمت في الإنسان، يجعله مقهورا مغلوبا، كالرّسن الملقى في الحنك، إلى أن ينتهي إلى مرحلة خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ البقرة: 7، نعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم ومن احتناكه. (2: 322)
مكارم الشّيرازيّ: (احتنكنّ) مشتقّة من"احتناك"وهي تعني قطع جذور شي ء مّا، لذا فعند ما يأكل الجراد المزروعات تقول العرب: احتنك الجراد الزّرع؛ لذا فإنّ هذا القول يشير إلى أنّ إبليس سيحرّف كلّ بني آدم عن طريق اللّه وطاعته إلّا القليل منهم.
ويحتمل أن تكون كلمة (احتنكنّ) مشتقة من"حنك"؛ وهي المنطقة الّتي تحت البلعوم، فعند ما يوضع الحبل في رقبة الحيوان تقول العرب:"احتنك الدّابّة". وفي الواقع فإنّ الشّيطان يريد أن يقول: بأنّه سيضع حبل الوسوسة في أعناق النّاس، ويجرّهم إلى طريق الغواية والضّلال.
وفي هذا الأثناء أعطي الشّيطان إمكانيّة البقاء والفعل، حتّى يتحقّق الاختبار للجمع، ويكون وجوده سببا لتمحيص واختبار المؤمنين الحقيقيّين، حيث يقوى الإنسان عند ما تهاجمه الحوادث، ويقوى عوده في مواجهة الأعداء، لذلك قالت الآية: قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا الإسراء:
63.وهذا أسلوب الاختبار ينكشف فيه الفاشل من النّاجح في الامتحان الإلهيّ الكبير. (9: 45)