فهرس الكتاب

الصفحة 9230 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 158

فكأنّه تعالى قال: إنّما استجبنا لزكريّا دعوته بأن أعطيناه ولدا، ثمّ آتيناه الحكم صبيّا، وحنانا من لدنّا عليه، أي على زكريّا فعلنا ذلك، (و زكوة) أي وتزكية له عن أن يصير مردود الدّعاء.

والثّالث: أن يكون الحنان من اللّه تعالى لأمّة يحيى عليه السّلام، كأنّه تعالى قال: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا* وَحَنانًا منّا على أمّته، لعظيم انتفاعهم بهدايته وإرشاده.

أمّا إذا جعلناه صفة ليحيى عليه السّلام، ففيه وجوه:

الأوّل: آتيناه الحكم والحنان على عبادنا، أي التّعطّف عليهم، وحسن النّظر على كافّتهم فيما أولّيه من الحكم عليهم، كما وصف نبيّه فقال: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ آل عمران: 159، وقال: حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ التّوبة: 128، ثمّ أخبر تعالى أنّه آتاه زكاة، ومعناه أن لا تكون شفقته داعية له إلى الإخلال بالواجب، لأنّ الرّأفة واللّين ربما أورثا ترك الواجب.

ألا ترى إلى قوله تعالى: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ النّور: 2، وقال: قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً التّوبة: 123، وقال:

أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ المائدة: 54، فالمعنى إنّما جعلنا له التّعطّف على عباد اللّه مع الطّهارة عن الإخلال بالواجبات. ويحتمل آتيناه التّعطّف على الخلق والطّهارة عن المعاصي، فلم يعص ولم يهمّ بمعصية.

وفي الآية وجه آخر، وهو المنقول عن عطاء بن أبي رباح وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا، والمعنى: آتيناه الحكم صبيّا تعظيما؛ إذ جعلناه نبيّا وهو صبيّ، ولا تعظيم أكثر من هذا.

والدّليل عليه ما روي أنّه مرّ ورقة بن نوفل على بلال وهو يعذّب، قد ألصق ظهره برمضاء البطحاء، ويقول: أحد أحد، فقال: والّذي نفسي بيده لئن قتلتموه لأتّخذنّه حنانا، أي معظّما. (21: 192)

القرطبيّ: [نحو ابن عطيّة إلى أن قال:]

أي تعطّفا منّا عليه أو منه على الخلق. [ثمّ استشهد بشعر] (11: 88)

البيضاويّ: ورحمة منّا عليه، أو رحمة وتعطّفا في قلبه على أبويه وغيرهما، عطفا على الحكم. (2: 30)

نحوه النّسفيّ. (3: 30)

النّيسابوريّ: والحنان: أصله توقان النّفس، ثمّ استعمل في الرّحمة، وهو المراد هاهنا. وما قيل: إنّه يحتمل أن يراد حنانا منّا على زكريّا أو على أمّة يحيى، لا يساعده وجود الواو.

وقيل: أراد آتيناه الحكم والحنان على عبادنا، كقوله في نبيّنا: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ آل عمران:

وأراد بقوله: (و زكوة) أنّه مع الإشفاق عليهم كان لا يخلّ بإقامة ما يجب عليهم، لأنّ الرّأفة واللّين ربّما تورث ترك الواجب، ولهذا قال: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ النّور: 2، ولا يخفى أنّه لا يساعد هذا القول وجود لفظة مِنْ لَدُنَّا (16: 41)

ابن كثير: [ذكر بعض الأقوال وقال:]

والظّاهر من السّياق أنّ قوله: (و حنانا) معطوف على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت