فهرس الكتاب

الصفحة 9264 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 192

تبعدهم عن أجواء الحسد الّذي يبعث على الكيد والتّآمر من قبل الحاسدين.

وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ فإنّ ذلك قد يشكل إثارة في نفوس الحاضرين، فيؤدّي إلى ما لا تحمد عقباه، وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ كي تضيع الصّورة الحقيقيّة القويّة بذلك، ولا تلفتوا الأنظار إليكم.

وليس في هذا ما يمنع القضاء إذا أراد اللّه له أن يحدث، ولكنّه قلق الوالد على أولاده الّذي يبحث عن أيّة وسيلة لحمايتهم، عبر رعايته المباشرة لهم أو عبر تزويدهم بوصايا ونصائح تكفل لهم ذلك، وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ ءٍ إن أراد بكم سوءا فهو المالك لكلّ شي ء، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ في كلّ أمور عباده، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في جميع أموري، وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ يوسف: 67، في إرجاع كلّ القضايا إليه، فهو المعوّل عليه في الشّدّة والرّخاء.

وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ ءٍ لأنّ مثل هذه الوسائل لا تمنع الخطّة المرسومة الّتي يريد اللّه للنّاس أن يخضعوا لها في قضائه وقدره في علاقة المسبّبات بالأسباب، فإذا أراد اللّه شيئا هيّأ أسبابه. وهكذا لم يرد يعقوب أن يغيّر القضاء، أو يعطّل الأسباب إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها في ما كان يريده لهم من تحفّظ يبعدهم عن المشاكل من بعض النّواحي. ولم نعرف- من خلال القرآن- نوعيّة هذه الحاجة بالتّحديد، لكن ربّما كانت حالة من الطّمأنينة الدّاخليّة الّتي أراد أن يعيشها في نفسه، وربّما كانت حاجته الملحّة إلى رجوع يوسف إليه، الّتي هيّأ اللّه له أسباب تحقيقها في سفر إخوته مع أخيهم غير الشّقيق إليه، الّذي انتهى بلقاء يوسف وأخيه لأبيه وأمّه، وبذلك يكون الضّمير في (قضيها) راجعا إلى اللّه، لا إلى يعقوب- كما يذهب إلى ذلك بعض المفسّرين- وربّما كانت تلك الحاجة شيئا لا نعلمه، ممّا قد يكون معلوما لدى يعقوب ممّا علّمه اللّه إيّاه من أسرار الغيب في ما يمكن أن نستوحيه من قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ.

ولعلّ المراد به العلم الخاصّ الّذي يلهم اللّه به الأنبياء أو يوحي به إليهم من علمه، الّذي لا يريد أن يبيّنوه، بل يريد لهم أن يعيشوه، ويكتفوا في تبيانه على طريقة الإشعار أو الإيحاء لمصلحة ما هناك. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ لأنّهم يتعاملون في أمورهم من خلال الرّؤية المحدودة للأشياء، ممّا يحجب عنهم الكثير من الأسرار الّتي تختفي في غيب المستقبل، أو في خلفيّات الحاضر.

2 -... وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا ... الحشر: 9

ابن عبّاس: حسدا. (464)

نحوه الحسن والطّبريّ. (الطّبريّ 28: 41، 42)

أي حسدا وحزازة وغيظا ممّا أوتي المهاجرون من دونهم. (الفخر الرّازيّ 29: 287)

نحوه الواحديّ (4: 273) ، والبغويّ (5: 58) ، والطّبرسيّ (5: 262) ، وابن الجوزيّ (8: 212) .

السّجستانيّ: فقر، ومحنة أيضا. (190)

الماورديّ: فيه وجهان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت