المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 194
وعليه فتكون (من) في قوله: مِمَّا أُوتُوا ابتدائيّة، أي مأربا أو رغبة ناشئة من في ء أعطيه المهاجرون. [إلى أن قال:]
والمعنى: أنّهم لا يخامر نفوسهم تشوّف إلى أخذ شي ء ممّا أوتيه المهاجرون من في ء بني النّضير.
ويجوز وجه آخر بأن يحمل لفظ حاجة على استعماله الحقيقيّ اسم مصدر الاحتياج، فإنّ الحاجة بهذا المعنى يصحّ وقوعها في الصّدور، لأنّها من الوجدانيّات والانفعالات. ومعنى نفي وجدان الاحتياج في صدورهم أنّهم لفرط حبّهم للمهاجرين، صاروا لا يخامر نفوسهم أنّهم مفتقرون إلى شي ء ممّا يؤتاه المهاجرون، أي فهم أغنياء عمّا يؤتاه المهاجرون، فلا تستشرف نفوسهم إلى شي ء ممّا يؤتاه المهاجرون بله أن يتطلّبوه، وتكون (من) في قوله تعالى: مِمَّا أُوتُوا للتّعليل، أي حاجة لأجل ما أوتيه المهاجرون، أو ابتدائيّة، أي حاجة ناشئة عمّا أوتيه المهاجرون، فيفيد انتفاء وجدان الحاجة في نفوسهم، وانتفاء أسباب ذلك الوجدان ومناشئه المعتادة في النّاس تبعا للمنافسة والغبطة، وقد دلّ انتفاء أسباب الحاجة على متعلّق حاجة المحذوف؛ إذ التّقدير: ولا يجدون في نفوسهم حاجة لشي ء أوتيه المهاجرون.(28:
الطّباطبائيّ: والمراد بالحاجة: ما يحتاج إليه، و (من) تبعيضيّة وقيل: بيانيّة. والمعنى: لا يخطر ببالهم شي ء ممّا أعطيه المهاجرون. فلا يضيق نفوسهم من تقسيم الفي ء بين المهاجرين دونهم ولا يحسدون.
وقيل: المراد بالحاجة: ما يؤدّي إليه الحاجة وهو الغيظ. (19: 206)
عبد الكريم الخطيب: أي ولا يجد الأنصار في صدورهم شيئا من الضّيق، أو الألم أو الغيرة، لما أخذ المهاجرون من غنائم بني النّضير، فقد جعل الرّسول صلوات اللّه وسلامه عليه ما أفاءه اللّه عليه من تلك الغنائم جعلها في فقراء الهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئا إلّا ثلاثة نفر منهم كانوا على حال ظاهرة من الفقر ...
وبهذا العطاء الّذي ناله المهاجرون خفّ العب ء: عن الأنصار، الّذين كانوا يقاسمون إخوانهم المهاجرين ديارهم وأموالهم. (14: 861)
مكارم الشّيرازيّ: فهم لا يطمعون بالغنائم الّتي أعطيت لهم، ولا يحسدون الآخرين عليها، ولا حتّى يحسّون بحاجة إلى ما أعطي لهم منها، وفي الأساس فإنّ هذه الأمور لا تخطر على بالهم. وهذه الصّورة تعكس لنا منتهى السّموّ الرّوحيّ للأنصار. (18: 182)
فضل اللّه: في ما قد يجده الإنسان من الضّيق النّفسيّ عند ما يأتي إليه شخص يشاركه مسكنه، أو ماله، أو يضيق عليه بعض مواقعه، حتّى قيل: إنّه لم ينزل مهاجر في دار أنصاريّ إلّا بالقرعة، لأنّ عدد الرّاغبين في الإيواء المتزاحمين عليه كان أكثر من عدد المهاجرين.
وهكذا كانت هذه المحبّة تمثّل العمق الإيمانيّ الّذي يتحوّل إلى عمق في الإحساس والشّعور، بحيث إنّ الحبّ يمثّل الصّورة الحقيقيّة للإيمان. (22: 114)
الأصول اللّغويّة
1 -الأصل في هذه المادّة الحاجة: المأربة، والجمع: