المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 262
الرّابع الهجريّ، عقب اكتشاف قبر الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام عام 170 ه، وهجرة النّاس إلى النّجف زرافات ووحدانا من كلّ حدب وصوب، فتكوّنت هذه المدينة على مرّ الأيّام وتوسّعت.
غير أنّ الحوزة العلميّة في النّجف لم تكتسب شهرتها وتبلغ ذروتها، إلّا بعد هجرة الشّيخ أبي جعفر الطّوسيّ رحمه اللّه إليها عام 449 ه، حيث مكث فيها بعد قدومه من بغداد، واشتغل بالتّدريس والتّأليف حتّى وفاته عام 460 ه، فدفن فيها، ولا يزال قبره قائما إلى يومنا هذا.
ولعلّ سبب تسمية هذه المراكز العلميّة بالحوزة هو قولهم: حوزة الملك: بيضته، لأنّ الحوزة تحمي بيضة الإسلام ببثّ تعليماته، وتدحض الشّبهات الّتي تحوم حوله وتدرأها.
الاستعمال القرآنيّ
جاء منها"متحيّزا"مرّة في آية:
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ... الأنفال: 16
يلاحظ أوّلا: أنّ"متحيّزا"وحيد الجذر في القرآن، وفيه بحوث:
1 -فسّر بالانحياز والزّوال والتّنحّي والانضمام، وقد نهى اللّه المؤمنين هنا عن الفرار عند لقاء العدوّ، وأوعد من يفعل ذلك منهم بغضب اللّه ودخول جهنّم. ولكنّه استثنى من ذلك حالتين، فقال: إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ، أي إلّا من يعدل من جهة إلى جهة، أو من يتنحّى عن جماعة وينضمّ إلى جماعة أخرى من المؤمنين يقاتل معهم العدوّ.
2 -نصب (متحرّفا) ، و (متحيّزا) على الحال، فتكون (الّا) لغوا غير عاملة، وجوّز الزّجّاج نصبهما على الاستثناء، فتكون (الّا) عاملة. وردّه الآلوسيّ، واعتبر (الّا) لغوا، معلّلا ذلك بقوله:"لأنّه استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال، ولو لا التّفريغ لكانت عاملة أو واسطة في العمل على الخلاف المشهور. وشرط الاستثناء المفرّغ أن يكون في النّفي أو صحّة عموم المستثنى منه، نحو: قرأت إلّا يوم كذا، ومنه ما نحن فيه".
3 -قال الزّجّاج:"أصل (متحيّزا) متحيوز، فأدغمت الياء في الواو". وتبعه آخرون، ومنهم الزّمخشريّ فقال:
"وزن متحيّز (متفيعل) لا (متفعّل) ، لأنّه من: حاز يحوز، فبناء (متفعّل) منه متحوّز".
وقال الآلوسيّ:"تعقّب بأنّ الإمام المرزوقيّ ذكر أنّ تديّر (تفعّل) مع أنّه واويّ، نظرا إلى شيوع ديار، وعليه فيجوز أن يكون تحيّز (تفعّل) ، نظرا إلى شيوع الحيز بالياء، فلهذا لم يجئ تدوّر وتحوّز."
وذكر ابن جنّيّ أنّ ما قاله هذا الإمام هو الحقّ، وأنّهم