المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 305
أبو السّعود: أي علما ومعرفة، وحفظته من جميع جهاته، وقرئ (احطت) بإدغام الطّاء في التّاء بإطباق وبغير إطباق، ولا خفاء في أنّه لم يرد بما ادّعى الإحاطة به ما هو من حقائق العلوم ودقائق المعارف الّتي تكون معرفتها، والإحاطة بها من وظائف أرباب العلم والحكمة، لتوقّفها على علم رصين وفضل مبين، حتّى يكون إثباتها لنفسه بين يدي نبيّ اللّه سليمان عليه السّلام تعدّيا عن طوره، وتجاوزا عن دائرة قدره، ونفيها عنه عليه الصّلاة والسّلام جناية على جناية، فيحتاج إلى الاعتذار عنه، بأنّ ذلك كان منه بطريق الإلهام فكافحه عليه الصّلاة والسّلام ... [ثمّ ذكر مثل الزّمخشريّ وأضاف:]
بل أراد به ما هو من الأمور المحسوسة الّتي لا تعدّ الإحاطة بها فضيلة، ولا الغفلة عنها نقيصة، لعدم توقّف إدراكها إلّا على مجرّد إحساس يستوي فيه العقلاء وغيرهم، وقد علم أنّه عليه الصّلاة والسّلام لم يشاهده، ولم يسمع خبره من غيره قطعا، فعبّر عنه بما ذكر لترويج كلامه عنده عليه الصّلاة والسّلام، وترغيبه في الإصغاء إلى اعتذاره واستمالة قلبه نحو قبوله، فإنّ النّفس للاعتذار المنبئ عن أمر بديع أقبل، وإلى تلقّي ما لا تعلمه أميل.
نحوه الآلوسيّ. (19: 186)
البروسويّ: الإحاطة: العلم بالشّي ء من جميع جهاته، بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ أي علما ومعرفة، وحفظته من جميع جهاته، وذلك لأنّه كان ممّا لم يشاهده سليمان، ولم يسمع خبره من الجنّ والإنس، يشير إلى سعة كرم اللّه ورحمته بأن يختصّ طائرا بعلم لم يعلمه نبيّ مرسل، وهذا لا يقدح في حال النّبيّ والرّسول بأن لا يعلم علما غير نافع في النّبوّة، فإنّ النّبيّ عليه السّلام كان يستعيذ باللّه منه، فيقول:"أعوذ بك من علم لا ينفع"... [إلى أن قال:]
وفي"الأسئلة المقحمة": هذا سوء أدب في المخاطبة، فكيف واجهه بمثله وقد احتمله؟
والجواب: لأنّه عقّبه بفائدة، والخشونة المصاحبة لفائدة قد يحتملها الأكابر. (6: 338)
الطّباطبائيّ: والمراد بالإحاطة العلم الكامل. [إلى أن قال:]
وقد قيل: إنّ في قول الهدهد: أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ كسرا لسورة سليمان عليه السّلام فيما شدّد عليه.
مكارم الشّيرازيّ: وممّا ينبغي الالتفات إليه أنّ جنود سليمان- حتّى الطّيور الممتثلة لأوامره- كانت عدالة سليمان قد أعطتهم الحرّيّة والأمن والدّعة، بحيث يكلّمه الهدهد دون خوف وبصراحة لاستار عليها، فيقول: أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ.
فتعامل الهدهد وعلاقته مع سليمان لم يكن كتعامل أصحاب القصر المتملّقين للجبابرة الطّغاة ... إذ يتملّقون في البدء مدّة طويلة، ثمّ يتضرّعون ويعدّون أنفسهم كالذّرّة أمام الطّود، ثمّ يهوون على أقدام الجبابرة، ويبدون حاجتهم في أثناء مائة حالة من التّملّق، ولا يستطيعون أن يصرّحوا في كلامهم أبدا، بل يكنّون كناية أرقّ من الورد، لئلّا يخدش قلب السّلطان غبار كلامهم.
أجل، إنّ الهدهد قال بصراحة: إنّ غيابي لم يكن اعتباطا وعبثا، بل جئتك بخبر يقين مهمّ لم تحط به.