المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 329
بالحسنة، أو إحداق الذّنب بالطّاعة أو بالقلب.
ولا شكّ أنّ من أحاطت به الخطيئة هو الكافر، لأنّه محدق بها من جميع نواحيه، أو لأنّه مهلك بها وهو مشرك.
2 -حمل الفخر الرّازيّ الإحاطة في هذه الآية على كون السّيّئة كبيرة، فهي تحيط بالطّاعات وتحجبها، ثمّ تستولي عليها وتحيط بها.
ولكنّ الشّيخ الطّوسيّ ذهب إلى بطلان التّحابط، فقال:"لو كان معه شي ء من الطّاعات، لكان مستحقّا للثّواب، فلا تكون السّيّئة محيطة به، لأنّ الإحباط عندنا باطل". [لاحظ ح ب ط:"إحباط"]
3 -إن قيل: هلّا قال: من كسب خطيئة وأحاطت به سيّئته، فيبتدئ الكلام بالخاصّ، وينتهي بالعامّ؟
قلنا: إنّ كسب الخطيئة لسائغ، وهو قوله: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا النّساء: 112، وأمّا إحاطة السّيّئة فلا، لأنّ الإحاطة شمول واستيعاب، والسّيّئة عموم واستغراق، فلا يتحقّق هذا المعنى بهذه الصّفة، إلّا إذا خصّص بما يحاط به الشّي ء. وهو هنا الخطيئة.
قال الشّريف الرّضيّ:"هذه استعارة فيها كناية عجيبة عن عظم الخطيئة، لأنّ الشّي ء لا يحيط بالشّي ء من جميع جهاته، إلّا بعد أن يكون سابغا غير قالص، وزائدا غير ناقص".
رابعا: أنّ الإحاطة في (20) إلى (23) هي إحاطة عذاب الآخرة، وفيها بحوث:
1 -جاءت الآيتان (20) و (21) : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ* بنسق واحد يدلّ على الحال، أي أنّها محيطة بهم الآن، لإحاطتهم بأسبابها، كالكفر والعصيان والظّلم، فهم محاطون محدقون بها. أو يدلّ على الاستقبال، أي أنّها ستحيط بهم يوم القيامة، واسم الفاعل يدلّ على كلا المعنيين، لأنّه مشتقّ من الفعل المضارع.
2 -إنّ جهنّم نفسها تحيط بالكافرين في (20) و (21) ، وأنّ سرادق النّار يحيط بهم في (22) : نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها، وإذا كانوا محاطين بالسّرادق، فقد أحاطت بهم النّار أيضا. وذكر"السّرادق"هنا إمعانا في الإحاطة والإطباق، وإيماء إلى استحالة الفرار منها، وهذا كقوله: عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ البلد: 20.
3 -ورد لفظ"محيط"في (23) : عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ صفة ل"يوم"، أي يوم يحيط بأعمال العباد ويحصيها، وهو عذاب يوم القيامة. ونكّر النّعت والمنعوت هنا للتّهويل والتّشنيع، كما في قوله: عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ الأنعام: 15، وعَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ هود: 3، وعَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ هود: 26، وعَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ الحجّ: 55.
خامسا: أنّ الإحاطة في (24) إلى (26) هي إحاطة عذاب الدّنيا، وفيها بحوث:
1 -إنّها تعني الهلاك في هذه الآيات باختلاف أسباب الهلاك والمحاط به، فأسبابه في (24) الرّيح العاصف وموج البحر، والمحاط به من ركب الفلك في البحر. وأسبابه في (25) الحسبان وغور الماء، والمحاط به الكافر ذو الجنّة.
وأسبابه في (26) نزول مصيبة أو مداهمة عدوّ، وهي أسباب فرضيّة، لأنّها لم تقع، والمحاط به أبناء يعقوب