المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 330
جميعا عدا يوسف.
2 -جاءت هذه الأفعال الثّلاثة مبنيّة للمجهول في ثلاث آيات مكّيّة، وقد أبهم الفاعل فيها دون سائر أفعال هذه المادّة وأسماء الفاعل أيضا، فهل في ذلك سرّ مكنون؟ مثل أنّ المراد نفس الإصابة كيف كانت دون ما أصابهم، أو حذف الفاعل تهويلا وتشنيعا وليذهب ذهن السّامع والقارئ إلى كلّ مذهب ممكن.
ولا يخفى أنّ الفاعل فيها معلوم من السّياق، فهو كناية عن الأمواج في (24) ، والفساد في (25) ، والعدوّ في (26) .
3 -قرأ زيد بن عليّ"حيط بهم"في (24) ، من:
حاطه يحوطه حوطا: أحدق، والقراءة المشهورة من:
أحاط به إحاطة، إذا أحدق به، فكلتا القراءتين بمعنى واحد.
سادسا: أنّ الإحاطة في (27) : فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ هي إحاطة هدهد وسليمان، وفيها بحوث:
1 -إنّ إحاطة الهدهد بما لم يحط به سليمان لأمر يسترعي الانتباه، كيف وقد قال اللّه فيه وفي أبيه داود:
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا الأنبياء: 79، وقال أيضا:
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا النّمل: 15؟!
وقد برّر بعض العلماء هذا الأمر بأنّه ابتلاء لسليمان في علمه، وتنبيه على عدم إحاطته- وهو نبيّ كبير- بما أحاط به أدنى الخلق، وهو طائر صغير، ليتّضع في علمه ونفسه. أو هو كسر سورته وتسكين غيظه.
ولعلّ أفضل من برّر ذلك أبو السّعود، حيث قال:"لم يرد بما ادّعى الإحاطة به ما هو من حقائق العلوم ودقائق المعارف ... بل أراد به ما هو من الأمور المحسوسة الّتي لا تعدّ الإحاطة بها فضيلة، ولا الغفلة عنها نقيصة، لعدم توقّف إدراكها إلّا على مجرّد إحساس يستوي فيه العقلاء وغيرهم".
2 -شطّ بعض المفسّرين في القول حين ذهب إلى أنّ الهدهد أساء الأدب في خطابه لسليمان، فاحتمل ذلك منه لأنّه عقّبه بفائدة؛ إذ اعتبر طبعه كطبع الإنسان، يضاهيه في قوله وفعله. ولو كان كذلك لعاقب الطّائر الّذي أهدى إليه جرادة، والنّملة الّتي أهدت إليه رجل جرادة، كما جاء في الخبر.
3 -قرئ"احتّ"بإدغام الطّاء في التّاء، بإطباق وبغير إطباق، قال الفرّاء:"العرب إذا لقيت الطّاء التّاء، فسكّنت الطّاء قبلها، صيّروا الطّاء تاء، فيقولون:"
"أحتّ".
سابعا: أنّ الإحاطة في جميع ذلك- كما قيل- مجاز لأنّها في الأصل تخصّ الأجسام في المحيط والمحاط به، وليس شي ء من العلم والقدرة، والعذاب جسما. اللّهمّ أن يستثنى منها عذاب الدّنيا فقط أو هذا مع عذاب الآخرة، فإنّه جسم يحيط بأجسام المعذّبين. والحقّ أنّ المراد بالإحاطة في الجميع ما هو لازمه، وهو الاستيلاء والاستيعاب تماما، كما قال سيّد قطب:"و الإحاطة أقصى الصّور الحسّيّة للعلم بالشّي ء والقدرة عليه". وقال الشّربينيّ:"أي علما وقدرة لا يفوت عنه شي ء".
ثامنا: 17 منها مكّيّات و10 مدنيّات، فالمكّيّات تفوق المدنيّات بسبع. وهذه النّسبة مناسب طبيعة الدّعوة في البلدين: فإنّ ستّا من المكّيّات، وهي: (1، 4، 5، 7، 8،