فهرس الكتاب

الصفحة 9476 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 403

طعاما وهو غثاء أحوى، وما بينهما فهو في كلّ حالة صالح لأمر من أمور هذه الحياة، بتقدير: الّذي خلق فسوّى وقدّر فهدى.

والإشارة إلى حياة النّبات هنا توحي من طرف خفيّ، بأنّ كلّ نبت إلى حصاد، وأنّ كلّ حيّ إلى نهاية، وهي اللّمسة الّتي تتّفق مع الحديث عن الحياة الدّنيا والحياة الأخرى ... بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا* وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى الأعلى: 16، 17، والحياة الدّنيا كهذا المرعى، الّذي بنتهي فيكون غثاء أحوى ... والآخرة هي الّتي تبقى. (6: 3888)

عزّة دروزة: (احوى) : أسود أو ضارب للسّواد ...

هو الّذي أنبت النّبات، ثمّ جعله جافّا متكسّرا أسود اللّون، بالنّاموس الّذي أودعه في الكون بعد ما كان أخضر ليّنا. (1: 134)

ابن عاشور:"الأحوى": الموصوف بالحوّة بضمّ الحاء وتشديد الواو، وهي من الألوان: سمرة تقرب من السّواد وهو صفة (غثاء) ، لأنّ الغثاء يابس فتصير خضرته حوّة.

وهذا الوصف أحوى لاستحضار تغيّر لونه، بعد أن كان أخضر يانعا، وذلك دليل على تصرّفه تعالى بالإنشاء وبالإنهاء. وفي وصف إخراج اللّه تعالى المرعى، وجعله غثاء أحوى، مع ما سبقه من الأوصاف في سياق المناسبة بينها، وبين الغرض المسوق له الكلام، إيماء إلى تمثيل حال القرآن وهدايته- وما اشتمل عليه من الشّريعة الّتي تنفع النّاس- بحال الغيث الّذي ينبت به المرعى، فتنتفع به الدّوابّ والأنعام، وإلى أنّ هذه الشّريعة تكمل ويبلغ ما أراد اللّه فيها، كما يكمل المرعى ويبلغ نضجه حين يصير غثاء أحوى، على طريقة تمثيليّة مكنيّة رمز إليها بذكر لازم الغيث وهو المرعى.

وقد جاء بيان هذه الإيماء وتفصيله بقول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم"مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقيّة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع اللّه بها النّاس، فشربوا وسقوا وزرعوا ...".

ويجوز أن يكون المقصود من جملة فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى إدماج العبرة بتصاريف ما أودع اللّه في المخلوقات، من مختلف الأطوار من الشّي ء إلى ضدّه، للتّذكير بالفناء بعد الحياة، كما قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ الرّوم: 54، للإشارة إلى أنّ مدّة نضارة الحياة للأشياء تشبه المدّة القصيرة، فاستعير لعطف (جعله غثاء) الحرف الموضوع لعطف ما يحصل فيه حكم المعطوف، بعد زمن قريب من زمن حصول المعطوف عليه، ويكون ذلك من قبيل قوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ إلى قوله: فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ يونس: 24. (30: 246)

المصطفويّ: أي الملتوى من جهة الشّكل والصّورة ومن جهة اللّون، فيتغيّر طراوته وخضرته. وليس لفظ أحسن دلالة وأجمع مفهوما من هذه الكلمة، حيث إنّها تدلّ على زوال الطّراوة والصّفاء والبهجة من المرعى، إذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت