فهرس الكتاب

الصفحة 9477 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 404

كان يابسا، وكذا تغيّر لونه عن الخضرة إلى الألوان المختلفة المركّبة الملتوية. (2: 352)

مكارم الشّيرازيّ: (احوى) : من الحوّة، وهي شدّة الخضرة أو شدّة السّواد، وكلاهما من أصل واحد، لأنّ الخضرة لو اشتدّت قربت من السّواد، وجاء في الآية بمعنى تجمّع النّبات اليابس وتراكمه، حتّى يتحوّل لونه تدريجيّا إلى السّواد.

ويمكن أن يكون اختيار هذا التّعبير في مقام بيان النّعم الإلهيّة، لأحد أسباب ثلاثة:

الأوّل: أنّ حال هذه النّباتات يشير بشكل غير مباشر إلى فناء الدّنيا، لتكون دوما درسا وعبرة للإنسان، فهي بعد أن تنمو وتخضرّ في الرّبيع شيئا فشيئا تيبس وتموت بعد مرور الأيّام عليها، حتّى يتحوّل جمالها الزّاهي في فصل الرّبيع إلى سواد قاتم، ولسان حالها يقول: بعدم دوام الدّنيا وانقضائها السّريع!

الثّاني: أنّ النّباتات اليابسة عند ما تتراكم، فستتحوّل بمرور الوقت إلى سماد طبيعيّ، ليعطي الأرض القدرة اللّازمة لإخراج نباتات جديدة أخرى.

الثّالث: أنّ الآية تشير إلى تكوّن الفحم الحجريّ من النّباتات والأشجار.

فكما هو معلوم أنّ الفحم الحجريّ، والّذي يعتبر من المصادر المهمّة للطّاقة، إنّما تكوّن من النّباتات والأشجار الّتي يبست منذ ملايين السّنين، ودفنت في الأرض حتّى تحجّرت واسودّ لونها بمرور الزّمان.

ويعتقد بعض العلماء، بأنّ مناجم الفحم الحجريّ، قد تكوّنت من جراء النّباتات اليابسة المدفونة في داخل الأرض منذ (250) ميليون سنة تقريبا!

ولو أخذنا بنظر الاعتبار كمّيّة الفحم الحجريّ المستهلك في العالم، لوجدنا أنّ تلك النّباتات كانت بقدر بحيث تؤمّن احتياج النّاس لأكثر من (4000) سنة.

وتفسير الآية بالمعنى الأخير دون غيره قد لا يوصلنا إلى الصّواب، ولا يستبعد أن تكون الآية قد أرادت كلّ ما جاء في المعاني الثّلاثة أعلاه.

وعلى أيّة حال، فللغثاء الأحوى منافع كثيرة ... فهو غذاء جيّد للحيوانات في الشّتاء، ويستعمل كسماد طبيعيّ للأرض، وكذا يستعمله الإنسان كوقود.

فما ذكرته الآيات من صفات: الرّبوبيّة، الأعلى، الخلق، التّسوية، التّقدير، الهداية وإخراج المرعى، إنّما توصلنا إلى الرّبوبيّة الحقّة للّه جلّ وعلا، وبقليل من التّأمّل يتمكّن أيّ إنسان من إدراك هذه المسألة، ليصل نور الإيمان إلى قلبه، فيشكر المنعم على ما أعطى.

فضل اللّه: فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى فيتحوّل إلى أوراق يابسة وأغصان ذابلة، وتزول كلّ تلك الحيويّة النّضرة في الألوان المتنوّعة، فإذا هو أميل إلى السّواد، فهو أحوى.

ويبلغ التّقدير الإلهيّ مداه في ذلك كلّه، لينتظر العودة إلى حركته في فصول جديدة ورحلة جديدة للنّموّ والحياة الخضراء. وفي هذا إشارة خفيّة للتّدبير الإلهيّ، في إبداع الإنسان في إخراجه إلى الحياة، ثمّ في تحوّله إلى شي ء ميّت ... ثمّ إلى تراب ... ثمّ تبدأ رحلة الحياة من جديد، ولكن في عالم آخر ... (24: 208)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت