المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 408
قلت: للفرّاء، هو بمنزلة قول الشّاعر:
لا يسمع المرء فيها ما يؤنّسه ... باللّيل إلّا نئيم اليوم والضّوعا
فقال لي: نعم، يذهب إلى أنّ"الضّوع"عطف على"النّئيم"ولم يعطف على"اليوم"، كما عطفت (الحوايا) على (ما) ، ولم تعطف على"الظّهور". قلت: فمقتضى ما حكاه ابن الأنباريّ أن تكون (الحوايا) عطفا على (ما) المستثناة، وفي معنى ذلك قلق بيّن، هذا ما يتعلّق بإعرابها.
وأمّا ما يتعلّق بمدلولها. فقيل: هي المباعر، [و ذكر جملة من الأقوال، ثمّ قال:]
فإن كان مفردها حاوية فوزنها:"فواعل"، ك"ضاربة وضوارب"، ونظيرها في المعتلّ:"راوية وروايا، وزاوية وزوايا"، والأصل:"حواوي"، ك"ضوارب"فقلبت الواو الّتي هي عين الكلمة همزة، لأنّها ثاني حرفي لين اكتنفا مدّة"مفاعل"، فاستثقلت همزة مكسورة فقلبت ياء، فاستثقلت الكسرة على الياء، فجعلت فتحة، فتحرّك حرف العلّة وهو الياء الّتي هي لام الكلمة بعد فتحة فقلبت ألفا فصارت (حوايا) .
وإن شئت قلت: قلبت الواو همزة مفتوحة، فتحرّكت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فصارت همزة مفتوحة بين ألفين يشبهانها، فقلبت الهمزة ياء، وقد تقدّم تحقيق هذا في قوله: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ البقرة: 58.
واختلف أهل التّصريف في ذلك، وكذلك إذا قلنا:
مفردها حاوياء كان وزنها:"فواعل"أيضا، ك"قصعاء وقاصع، وراهطاء ورواهط"، والأصل: حواوي أيضا، ففعل به ما فعل فيما قبله. وإن قلنا: إنّ مفردها حويّة فوزنها:"فعائل"، ك"ظرائف"، والأصلى: حوائي، فقلبت الهمزة ياء مفتوحة، وقلبت الياء الّتي هي لام ألفا، فصار اللّفظ (حوايا) أيضا، فاللّفظ متّحد، والعمل مختلف. وقوله: أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ فيه ما تقدّم في (حوايا) . ورأي الفرّاء فيه أنّه منصوب نسقا على (ما) المستثناة في قوله: إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما، والمراد به:
الألية."و قيل: هو كلّ شحم في الجنب والعين الأذن والقوائم". (3: 208)
الشّربينيّ: أي ما حملته الحوايا وهي الأمعاء الّتي هي متعاطفة ملويّة، جمع: حويّة، فوزنها"فعائل"كسفينة وسفائن. وقيل: جمع حاوية أو حاوياء، كقاصعاء فهو"فواعل". (1: 456)
نحوه أبو السّعود (2: 456) ، والبروسويّ (3: 115) .
الشّوكانيّ: (الحوايا) معطوف على (ظهورهما) ، أي إلّا ما حملت ظهورهما أو حملت الحوايا. [إلى أن قال:]
وقيل: إنّ (الحوايا) ومَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ معطوفة على"الشّحوم". والمعنى: حرّمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، إلّا ما حملت ظهورهما، فإنّه غير محرّم، ولا وجه لهذا التّكلّف، ولا موجب له، لأنّه يكون المعنى إنّ اللّه حرّم عليهم إحدى هذه المذكورات.
الآلوسيّ: (الحوايا) بما اشتملت عليه الأمعاء، لأنّه من حواه بمعنى اشتمل عليه، فيطلق على الشّحم الملتفّ على الأمعاء. وجوّز غير واحد أن يكون العطف على (ظهورهما) ، وأن يكون على (شحومهما) ، وحينئذ يكون ما ذكر محرّما. وإليه ذهب بعض السّلف.