فهرس الكتاب

الصفحة 9503 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 430

الحياة، قال تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ البقرة: 96، إذ لا أمل لهم في حياة أخرى، ولا أمل لهم في تحصيل نعيمها.

فأمّا المؤمنون فإنّ كراهتهم للموت المرتكزة في الجبلّة بمقدار الإلف، لا تبلغ بهم إلى حدّ الجزع منه.

وفي الحديث:"من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه، ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه"، وتأويله بالمؤمن يحبّ لقاء اللّه للطّمع في الثّواب، وبالكافر يكره لقاء اللّه. وقد بيّنه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال:"إنّ المؤمن إذا حضرته الوفاة رأى ما أعدّ اللّه له من خير فأحبّ لقاء اللّه"أي والكافر بعكسه، وقد قال اللّه تعالى خطابا لليهود: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ الجمعة: 8.

وتقديم (منه) على (تحيد) للاهتمام بما منه الحياد، وللرّعاية على الفاصلة. (26: 255)

الطّباطبائيّ: الحيد: العدول والميل على سبيل الهرب.

[إلى أن قال:]

وفي قوله: ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ إشارة إلى أنّ الإنسان يكره الموت بالطّبع، وذلك أنّ اللّه سبحانه زيّن الحياة الدّنيا والتّعلّق بزخارفها للإنسان ابتلاء وامتحانا، قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ ... الكهف: 7. (18: 348)

المصطفويّ: فإنّهم يستبعدون البعث ويجعلونه وراء ظهورهم، ويعرضون عن سبيل الآخرة، ولا يتهيّؤون للموت عن الحياة الدّنيويّة. فظهر لطف التّعبير بهذه الكلمة، فإنّهم لا يتباعدون باعوجاجهم عن الحقّ، ولا يتنحّون عن طريق سيرهم إلى البعث.

مكارم الشّيرازيّ: إنّ الموت حقيقة يهرب منها أغلب النّاس، لأنّهم يحسبونه فناء لا نافذة إلى عالم البقاء، أو لعلائقهم وارتباطاتهم الشّديدة بالدّنيا والمواهب المادّيّة الّتي لهم فيها، فلا يستطيعون أن يصرفوا قلوبهم عنها، أو لسواد صحيفة أعمالهم. أيّا كان، فهم منه يهربون.

ولكن ما ينفعهم، ومصيرهم المحتوم في انتظار الجميع، والجمل الّذي أناخ بكلكله على أبواب بيوتهم جميعا لا مفرّ لأحد منه، ولا بدّ أن ينزلوا إلى حفرة الموت، ويقال لهم: هذا ما كنتم منه تفرّون!

وقائل هذا الكلام ربّما هو اللّه أو الملائكة أو الضّمائر اليقظة أو الجميع ... (17: 32)

فضل اللّه: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِ لتنقلك إلى عالم آخر، يختلف عن العالم الّذي أنت فيه، فتفارق كلّ مواقع شغلك، وكلّ ملاعب لهوك وفرحك، ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ فتهرب من ذكره، وتبتعد عن مواقعه وإيحاءاته، وتعمل على إلهاء نفسك عنه بأيّ شي ء، ممّا يجلب الغفلة إلى وعيك وشعورك، لأنّك كنت مشدودا إلى الدّنيا بكلّ غرائزك وشهواتك وعلاقاتك، وبكلّ ما ألفته من أوضاع وأشياء وأعمال. وها أنت تواجه الحقّ في القضاء الإلهيّ، فتنشغل به في ما يشبه السّكرة عن كلّ من حولك من النّاس، وما حولك من الأمور. (21: 180)

الأصول اللّغويّة

1 -الأصل في هذه المادّة الحيد، أي ما شخص من الجبل واعوجّ، وهو الحيد أيضا، والجمع: حيود وأحياد؛ يقال: جبل ذو حيود وأحياد، إذا كانت له حروف ناتئة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت