المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 446
والحير والحير: الكثير من المال والأهل، تشبيها بتجمّع الماء؛ يقال: هذه أنعام حيرات، أي متحيّرة كثيرة، وكذلك النّاس إذا كثروا.
والحير والحير: التّردّد؛ يقال: حار الرّجل يحار حيرا وحيرة، أي تردّد وتاه، فهو حائر وحيران، من قوم حيارى، والأنثى: حيرى، ورجل حائر بائر، إذا لم يتّجه لشي ء، وتحيّر واستحار: لم يهتد لسبيله، وحار بصره يحار حيرة وحيرا وحيرانا وتحيّر، إذا نظر إلى الشّي ء فغشي بصره، كأنّه تردّد واضطرب.
وقولهم: لا أفعل ذلك حيري دهر وحيريّ دهر، ولا آتيك حيريّ الدّهر وحير الدّهر، أي طول الدّهر، من:
تحيّر الدّهر وبقائه، ومعناه مدّة الدّهر ودوامه، أي ما أقام الدّهر، تشبيها بمكوث الماء في الحير، ومنه: استحار الرّجل بمكان كذا ومكان كذا، أي نزله أيّاما.
2 -والحيرة: موضع يقع جنوب النّجف في العراق، والنّسبة إليه حيريّ، وحاريّ أيضا على غير قياس، وتنسب إليه السّيوف الحاريّة، وكذلك الرّحال الحاريّات، والحاريّ: أنماط نطوع تعمل بالحيرة، تزيّن بها الرّحال.
وكانت الحيرة قديما حاضرة مشهورة، يرجع بناؤها- كما قيل- إلى عهد الملك البابليّ"نبوخذ نصّر"، وأصبحت منطقة تخضع لنفوذ النّصارى بعد ميلاد المسيح عليه السّلام، وحكمها الملوك اللّخميّون في العصر الجاهليّ، وتأثّروا بالمسيحيّة على مرّ الأيّام، ثمّ تنصّروا وأنشأوا فيها الأديار والمعاقل.
ولمّا ظهر الإسلام، فتحها المسلمون وفرضوا على أهلها الجزية، ثمّ خمل ذكرها وصيتها شيئا فشيئا، وأضحت اليوم مدينة صغيرة تحيط بها المزارع والمراعي.
واختلف اللّغويّون والمؤرّخون في علّة تسمية الحيرة بهذا الاسم، فقال بعض: سمّيت بذلك لاجتماع ماء كان فيها. وقال آخرون: لأنّها كانت حيرا مبنيّا، بناه"نبوخذ نصّر"لتجّار العرب على النّجف وحصّنه. وقال بعض آخر: لمّا نزلها مالك بن زهير من قضاعة، جعلها حيرا وأقطعه قومه، فسمّيت بذلك.
وقيل: بناها الأردوان ملك النّبط لمن أعانه من العرب على"أردشير"، فسمّي ذلك الحير الحيرة، كما تسمّى القيعة من القلع. وقيل: لمّا قصد تبّع الأكبر خراسان، خلّف ضعفة جنده بذلك الموضع، وقال لهم:
حيّروا به، أي أقيموا به. أو أنّه لمّا أقبل بجيوشه، فبلغ موضع الحيرة، ضلّ دليله وتحيّر، فسمّيت الحيرة.
3 -وجاءت الحيرة في اللّغة السّريانيّة بلفظ"حيرتا"، فهو إمّا أخذ من العربيّة، أو أنّ العربيّة أخذته من السّريانيّة ثمّ عرّب. وعدّه بعض المستشرقين آراميّ المنشأ، وإن كان كذلك، فقد دخل العربيّة بواسطة السّريانيّة.
4 -والحيرة أيضا: محلّة كبيرة مشهورة كانت في نيسابور، ولكنّها أضحت اليوم في طيّ النّسيان؛ إذ لا يذكر اسمها اليوم هناك أبدا، ويجهل مكانها أهله.
الاستعمال القرآنيّ
جاء منها كلمة (حيران) مرّة في آية: