المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 457
وَلا يَجِدُونَ عائد إلى الّذين تقدّم ذكرهم، وهم الّذين قال الشّيطان: لأتّخذنّ من عبادك نصيبا مفروضا.
والأظهر أنّ الّذي يكون نصيبا للشّيطان هم الكفّار.
البيضاويّ: معدلا ومهربا من حاص يحيص، إذا عدل و (عنها) حال منه وليس صلة له، لأنّه اسم مكان، وإن جعل مصدرا فلا يعمل أيضا فيها قبله. (1: 245)
نحوه أبو السّعود. (2: 199)
أبو حيّان: أخبر تعالى أنّ المكان الّذي يأوون إليه ويستقرّون فيه هو جهنّم، وأنّهم لا يجدون عنها مراغا يروغون إليه. و (عنها) لا يجوز أن تتعلّق بمحذوف، لأنّها لا تتعدّى ب"عن"ولا ب (محيصا) وإن كان المعنى عليه، لأنّه مصدر، فيحتمل أن يكون ذلك تبيينا على إضمار أعني. وجوّزوا أن يكون حالا من"محيص"فيتعلّق بمحيص، أي كائنا عنها. ولو تأخّر لكان صفة. (3: 354)
البروسويّ: [نحو البيضاويّ وأضاف:]
والإشارة أنّ اللّه خلق الجنّة وخلق لها أهلا، وهم السّعداء، وخلق النّار وخلق لها أهلا وهم الأشقياء، وخلق الشّيطان مزيّنا وداعيا وآمرا بالهوى، فمن يرى حقيقة الإضلال ومشيئته من إبليس فهو إبليس، وقد قال تعالى: يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فاطر: 8.
والنّصيب المفروض من العباد هم طائفة خلقهم اللّه تعالى أهل النّار، كقوله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ الأعراف: 179. وهم أتباع الشّيطان هاهنا، وقد لعن اللّه الشّيطان وأبعده عن الحضرة، إذ كان سبب ضلالتهم، كما قال عليه السّلام:"الدّنيا ملعونة ملعون ما فيها إلّا ذكر اللّه تعالى وما والاه".
وإنّما لعن اللّه الدّنيا وأبغضها، لأنّها كانت سببا للضّلالة، وكذلك الشّيطان ولا يغترّ بوعد الشّيطان إلّا الضّالّ بالضّلال البعيد الأزليّ، ولذا تولّد منه الشّرك المقدّر بمشيئة اللّه الأزليّة.
وأمّا من خلقه اللّه أهلا للجنّة فقد غفر له قبل أن خلقه، ومن غفر له فإنّه لا يشرك باللّه شيئا.
وعن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما: لمّا نزل قوله تعالى:
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ ءٍ الأعراف: 156. تطاول إبليس وقال: أنا شي ء من الأشياء. فلمّا نزل: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ الأعراف: 156، يئس إبليس، وتطاولت اليهود والنّصارى. ثمّ لمّا نزل قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَ الأعراف:
157، يئس اليهود والنّصارى، وبقيت الرّحمة للمؤمنين خاصّة، فهم خلقوا للرّحمة، ودخلوا الجنّة بالرّحمة، ولهم الخلود في الرّحمة، وبقي العذاب للشّيطان وأتباعه من الإنس والجنّ، ولهم الخلود في النّار، كما قال اللّه تعالى:
وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا لأنّهم خلقوا لها، فلا بدّ من الدّخول فيها. (2: 289)
الآلوسيّ: [نحو أبي السّعود إلّا أنّه قال:]
ومن جوّز تقدّمه [معمول المصدر] إذا كان ظرفا أو جارّا ومجرورا جوّزه هنا. (5: 151)
رشيد رضا: لا يجدون معدلا عنها يفرّون إليه، لأنّهم منجذبون إليها بطبعهم، يتهافتون فيها بأنفسهم، كما يتهافت الفراش في النّار. (5: 430)
نحوه المراغيّ. (5: 162)