المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 471
بين ثلاثة إلى عشرة أيّام. وخلالها يخرج من رحم المرأة دم ذو أوصاف خاصّة مذكورة في كتب الفقه. والمرأة في هذه الحالة تكون حائضا، وموقف الدّيانتين اليهوديّة والنّصرانيّة الحاليّين من المرأة الحائض متناقض يثير الاستغراب.
جمع من اليهود قالوا: إنّ معاشرة المرأة الحائض حرام حتّى المجالسة على مائدة الطّعام أو في غرفة واحدة.
ويذهبون إلى حظر جلوس الرّجل في المكان الّذي تجلس فيه الحائض، وإن فعل ذلك تنجّست ملابسه وعليه أن يغسلها، وإن رقد معها على سرير واحد تنجّس بدنه ولباسه، فهم يعتبرون المرأة في هذه الحالة موجودا مدنّسا يلزم اجتنابه.
ومقابل هؤلاء يذهب النّصارى إلى عدم التّفريق بين حالة الحيض والطّهر في المرأة حتّى بالنّسبة إلى الجماع.
المشركون العرب، وخاصّة أهل المدينة منهم، كانوا متأثّرين بالنّظرة اليهوديّة، ويعاملون المرأة الحائض على أساسها، فينفصلون عنها خلال مدّة الحيض. وهذا الاختلاف في المواقف وما يصحبه من إفراط وتفريط، دفع ببعض المسلمين لأن يسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك، فنزلت الآية.
أضرار الجماع في أيّام العادة الشّهريّة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً المحيض: مصدر ميميّ أي الحيض، وهذه العبارة تبيّن علّة اجتناب الجماع في أيّام الحيض، فهو إضافة إلى ما فيه من اشمئزاز ينطوي على أذى وضرر، ثبت لدى الطّبّ الحديث من ذلك: احتمال تسبيب عقم الرّجل والمرأة، وإيجاد محيط مناسب لتكاثر جراثيم الأمراض الجنسيّة مثل السّفلس، والتهابات الأعضاء التّناسليّة للرّجل والمرأة، ودخول موادّ الحيض المليئة بمكروبات الجسم في عضو الرّجل، وغير ذلك من الأضرار المذكورة في كتب الطّبّ، لذلك ينصح الأطبّاء باجتناب الجماع في هذه الحالة.
خروج دم الحيض يعود إلى احتقان الرّحم وتسلّخ مخاطه، ومع هذا الاحتقان يحتقن المبيض أيضا. وقبيل موعد العادة الشّهريّة تخرج بويضة المرأة من المبيض وتجتاز أنبوبا باسم"فالب"وتدخل الرّحم، منتظرة نطفة الرّجل لتكوّن الجنين.
دم الحيض في البداية يكون متقطّعا باهت اللّون، ثمّ يزداد ويحمرّ ويعود في الأخير إلى وضعه المتقطّع الباهت.
الدّم الخارج في أيّام العادة الشّهريّة، هو الدّم الّذي يتجمّع شهريّا في العروق الدّاخليّة للرّحم من أجل تقديم الغذاء للجنين المحتمل. ذلك لأنّ مبيض المرأة يدفع كلّ شهر ببويضة إلى الرّحم، وفي نفس الوقت تمتلئ عروق الرّحم بالدّم استعدادا لتغذية الجنين، فإن انعقد الجنين يستهلك الدّم لتغذيته، وإلّا يخرج بشكل دم حيض، من هنا نفهم جانبا آخر لحظر الجماع في هذه الفترة الّتي يكون الرّحم خلالها غير مستعدّ استعدادا طبيعيّا لقبول نطفة الرّجل، حيث يواجه أذى من جرّاء ذلك.
فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ.
العبارة الأولى من هذه الآية تأمر باعتزال المرأة الحائض وعدم الاقتراب منها، وتبدو للوهلة الأولى أنّها