المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 505
أنّ المؤمن يرفع له إلى اللّه في كلّ يوم صالح من العمل والقول، لا في كلّ سنة، أو في كلّ ستّة أشهر، أو في كلّ شهرين. فإذا كان ذلك كذلك فلا شكّ أنّ المثل لا يكون خلافا للممثّل به في المعنى، وإذا كان ذلك كذلك كان بيّنا صحّة ما قلنا.
فإن قال قائل: فأيّ نخلة تؤتى في كلّ وقت أكلا صيفا وشتاء؟ قيل: أمّا في الشّتاء فإنّ الطّلع من أكلها، وأمّا في الصّيف فالبلح والبسر والرّطب والتّمر ذلك كلّه من أكلها. (13: 207)
الزّجّاج: اختلف النّاس بتفسير الحين، فقال بعضهم:
كلّ سنة، وقال بعضهم: كلّ ستّة أشهر، وقال بعضهم:
غدوة وعشيّة، وقال بعضهم: الحين: شهران.
وجميع من شاهدنا من أهل اللّغة يذهب إلى أنّ الحين: اسم كالوقت، ليصلح لجميع الأزمان كلّها، طالت أو قصرت. فالمعنى في قوله: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ أنّها ينتفع بها في كلّ وقت، لا ينقطع نفعها ألبتّة. [ثمّ استشهد بشعر] (3: 160)
نحوه النّحّاس. (القرطبيّ 9: 360)
الجصّاص: [ذكر أقوال السّابقين وأضاف:]
الحين: اسم يقع على وقت مبهم، وجائز أن يراد به وقت مقدّر، قال اللّه تعالى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ الرّوم: 17، ثمّ قال: وَحِينَ تُظْهِرُونَ الرّوم: 18، فهذا على وقت صلاة الفجر ووقت الظّهر، ووقت المغرب على اختلاف فيه، لأنّه قد أريد به فعل الصّلاة المفروضة في هذه الأوقات، فصار (حين) في هذا الموضع اسما لأوقات هذه الصّلوات. ويشبه أن يكون ابن عبّاس في الرّواية الّتي رويت عنه في الحين أنّه غدوة وعشيّة، ذهب إلى معنى قوله تعالى: حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ الرّوم: 17. ويطلق ويراد به أقصر الأوقات، كقوله تعالى: وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ الفرقان: 42، وهذا على وقت الرّؤية، وهو وقت قصير غير ممتدّ. ويطلق ويراد به أربعون سنة، لأنّه روي في تأويل قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ الدّهر: 1، أنّه أراد أربعين سنة، والسّنة، والسّتّة الأشهر، والثّلاث عشرة سنة، والشّهران، على ما ذكرنا من تأويل السّلف للآية كلّه محتمل.
فلمّا كان ذلك كذلك ثبت أنّ الحين: اسم يقع على وقت مبهم، وعلى أقصر الأوقات، وعلى مدّد معلومة بحسب قصد المتكلّم. ثمّ قال أصحابنا فيمن حلف:"أن لا يكلّم فلانا حينا"، أنّه على ستّة أشهر؛ وذلك لأنّه معلوم أنّه لم يرد به أقصر الأوقات؛ إذ كان هذا القدر من الأوقات لا يحلف عليه في العادة، ومعلوم أنّه لم يرد به أربعين سنة، لأنّ من أراد الحلف على أربعين سنة حلف على التّأييد من غير توقيت.
ثمّ كان قوله تعالى: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها لمّا اختلف السّلف فيه على ما وصفنا كان أقصر الأوقات فيه ستّة أشهر، لأنّ من حين الصّرام إلى وقت أوان الطّلع ستّة أشهر، وهو أولى من اعتبار السّنة، لأنّ وقت الثّمرة لا يمتدّ سنة، بل ينقطع حتّى لا يكون فيه شي ء. وإذا اعتبرنا ستّة أشهر كان موافقا لظاهر اللّفظ في أنّها تطعم ستّة أشهر وتنقطع ستّة أشهر. وأمّا الشّهران فلا معنى لاعتبار من اعتبرهما، لأنّه معلوم أنّ من وقت