فهرس الكتاب

الصفحة 9594 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 523

"حوية".

[و نقل قول اللّيث في الحياء من الاستحياء ثمّ قال:]

يقال: استحيا الرّجل واستحيت المرأة. قلت:

وللعرب في هذا الحرف لغتان: يقال: استحى فلان يستحي بياء واحدة، واستحيا فلان يستحيي بياءين.

والقرآن نزل باللّغة التّامّة.

وأمّا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم:"اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم"فهو بمعنى استفعلوا من الحياة، أي استبقوهم ولا تقتلوهم.

ويقال: فلان أحيا من الهديّ، وأحيا من كعاب، وأحيا من مخدّرة ومن مخبّأة، وهذا كلّه من"الحياء"ممدود. وأمّا قولهم: أحيا من الضّبّ، فهي الحياة.

روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال:"الحياء شعبة من الإيمان". واعترض هذا الحديث بعض النّاس، فقال:

كيف جعل الحياء- وهو غريزة- شعبة من الإيمان، وهو اكتساب؟

والجواب في ذلك: أنّ المستحي ينقطع بالحياء عن المعاصي وإن لم تكن له تقيّة، فصار كالإيمان الّذي يقطع عنها ويحول بين المؤمنين وبينها، وكذلك قيل:"إذا لم تستح فاصنع ما شئت"يراد أنّ من لم يستح صنع ما شاء؛ لأنّه لا يكون له حياء يحجزه عن الفواحش فيتهافت فيها. ولا يتوقّاها، واللّه أعلم.

[و ذكر معنى التّحيّة للّه عن أبي عمرو الشّيبانيّ ثمّ قال:]

قال خالد بن يزيد: لو كانت التّحيّة الملك لما قيل:

التّحيّات للّه، والمعنى: السّلامات من الآفات كلّها للّه، وجمعها، لأنّه أراد السّلام من كلّ آفة.

[و ذكر كلام أبي الهيثم في معنى التّحيّة ثمّ قال:]

وهذا الّذي قاله أبو الهيثم حسن، ودلائله واضحة، غير أنّ التّحيّة وإن كانت في الأصل سلاما فجائز أن يسمّى الملك في الدّنيا تحيّة- كما قال الفرّاء وأبو عمرو- لأنّ الملك يحيّا بتحيّة الملك المعروفة للملوك الّتي يباينون فيها غيرهم، وكانت تحيّة ملوك العجم قريبة في المعنى من تحيّة ملوك العرب، كان يقال لملكهم:"زه هزار سال"، المعنى: عش سالما ألف سنة.

وجائز أن يقال للبقاء: تحيّة، لأنّ من سلم من الآفات فهو باق، والباقي في صفة اللّه من هذا، لأنّه لا يموت أبدا، فمعنى: حيّاك اللّه، أي أبقاك، صحيح من"الحياة"، وهو البقاء.

يقال: أحياه اللّه وحيّاه بمعنى واحد. والعرب تسمّي الشّي ء باسم غيره، إذا كان معه أو من سببه.

وعن حاتم بن المظفّر أنّه سأل سلمة بن عاصم عن قوله: حيّاك اللّه، فقال: بمنزلة أحياك اللّه، أي أبقاك اللّه، مثل كرّم اللّه وأكرم اللّه.

قال: وسألت أبا عثمان المازنيّ عن"حيّاك اللّه"فقال:

عمّرك اللّه.

والحيا: الغيث، مقصور لا يمدّ، وحياء الشّاة والنّاقة والمرأة ممدود، ولا يجوز قصره إلّا لشاعر يضطرّ في شعره إلى قصره، وما جاء عن العرب إلّا ممدودا.

وإنّما قيل له: حياء باسم الحياء من الاستحياء لأنّه يستر من الآدميّ، ويكنّى عنه من الحيوان، ويستفحش التّصريح بذكره واسمه الموضوع له، ويستحى من ذلك،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت