فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 154
إلّا الجنّة.
وأمّا رابعا: فقد روي في الخبر أنّها أرض الجنّة، فإنّها بيضاء نقيّة.
وثانيها: أنّ المراد من (الأرض) أرض الدّنيا، فإنّه سبحانه وتعالى سيورثها المؤمنين في الدّنيا، وهو قول الكلبيّ، وابن عبّاس في بعض الرّوايات.
ودليل هذا القول قوله سبحانه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا النّور: 55، إلى قوله: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ، وقوله تعالى: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ الأعراف: 128.
وثالثها: هي الأرض المقدّسة يرثها الصّالحون، ودليله قوله تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها الأعراف: 137، ثمّ بالآخرة يورثها أمّة محمّد صلّى اللّه عليه واله عند نزول عيسى بن مريم عليه السّلام.
نحوه الآلوسيّ. (17: 103)
البروسويّ: قال في عرائس البقلي: كان في علم الأزليّة أنّ أرض الجنان ميراث عباده الصّالحين من الزّهّاد والعبّاد والأبرار والأخيار، لأنّهم أهل الأعواض والثّواب والدّرجات وأنّ مشاهدة جلال أزليّته ميراث أهل معرفته ومحبّته وشوقه وعشقه، لأنّهم في مشاهدة الرّبوبيّة وأهل الجنّة في مشاهدة العبوديّة.
قال سهل: أضافهم إلى نفسه وحلّاهم بحلية الصّلاح، معناه: لا يصلح لي إلّا ما كان لي خالصا لا يكون لغيري فيه أثر، وهم الّذين أصلحوا سريرتهم مع اللّه وانقطعوا بالكلّيّة عن جميع ما دونه. (5: 527)
الطّباطبائيّ: المراد من"وراثة الأرض"انتقال التّسلّط على منافعها إليهم، واستقرار بركات الحياة بها فيهم. وهذه البركات إمّا دنيويّة راجعة إلى الحياة الدّنيا كالتّمتّع الصّالح بأمتعتها وزيناتها؛ فيكون مؤدّى الآية أنّ (الأرض) ستتطهّر من الشّرك والمعصية، ويسكنها مجتمع بشري صالح، يعبدون اللّه ولا يشركون به شيئا، كما يشير إليه قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ إلى قوله يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا النّور: 55. وإمّا أخرويّة وهي مقامات القرب الّتي اكتسبوها في حياتهم الدّنيا، فإنّها من بركات الحياة الأرضيّة، وهي نعيم الآخرة، كما يشير إليه قوله تعالى حكاية عن أهل الجنّة:
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ الزّمر: 74، وقوله: أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ المؤمنون: 10، 11.
ومن هنا يظهر أنّ الآية مطلقة، ولا موجب لتخصيصها بإحدى الوراثتين كما فعلوه، فهم بين من يخصّها بالوراثة الأخرويّة تمسّكا بما يناسبها من الآيات، وربّما استدلّوا لتعيّنه بأنّ الآية السّابقة تذكر الإعادة، ولا أرض بعد الإعادة حتّى يرثها الصّالحون.
ويردّه أنّ كون الآية معطوفة على سابقتها غير متعيّن، فمن الممكن أن تكون معطوفة على قوله السّابق: فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ الأنبياء: 94، كما سنشير إليه.