فهرس الكتاب

الصفحة 972 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 155

وبين من يخصّها بالوراثة الدّنيويّة، ويحملها على زمان ظهور الإسلام أو ظهور المهديّ عليه السّلام الّذي أخبر به النّبيّ صلّى اللّه عليه واله في الأخبار المتواترة المرويّة من طرق الفريقين، ويتمسّك لذلك بالآيات المناسبة له الّتي أومأنا إلى بعضها.

وبالجملة الآية مطلقة تعمّ الوراثتين جميعا، غير أنّ الّذي يقتضيه الاعتبار بالسّياق أن تكون معطوفة على قوله السّابق: فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ الأنبياء: 94، إلخ المشير إلى تفصيل حال المختلفين في أمر الدّين من حيث الجزاء الأخرويّ، وتكون هذه الآية مشيرة إلى تفصيلها من حيث الجزاء الدّنيويّ، ويكون المحصّل أنّا أمرناهم بدين واحد، لكنّهم تقطّعوا واختلفوا فاختلف مجازاتنا لهم، أمّا في الآخرة فللمؤمنين سعي مشكور وعمل مكتوب وللكافرين خلاف ذلك، وأمّا في الدّنيا فللصّالحين وراثة الأرض بخلاف غيرهم.

فضل اللّه: الأرض يرثها عبادي الصّالحون

كيف يجب أن يفكر أتباع الرّسالات الّذين يعيشون الإيمان فكرا وموقفا ومنهج حياة؟ هل يواجهون المستقبل، الّذي يتحرّك من حاضر ملي ء بالصّعوبات والتّحدّيات الّتي يمثّلها الكافرون والمنافقون والمشركون والضّالّون وقوى الشّرّ والظّلم والطّغيان؟ هل يتساقطون في وهدة اليأس أمام ذلك كلّه، أو يتماسكون في مواقفهم، ليتطلّعوا إلى الأمل الكبير القادم من وعد اللّه لعباده الصّالحين بالنّصر الرّساليّ في نهاية المطاف؟

إنّ اللّه يوحي إلى المؤمنين الصّالحين بأنّ المسألة لا تحتمل الشّكّ، بل هي في حجم الحقيقة الكونيّة الّتي يمثّلها التّكوين الإلهيّ، في نهاية الحياة.

ولهذا فإنّ عليهم أن يتابعوا الجهاد في كلّ المواقع، ويؤكّدوا الرّسالة في جميع المواقف، ليثيروا قضايا الحقّ في كلّ مجالات الحياة، وكلّ مواقع الإنسان، ويتحمّلوا الكثير الكثير من المشاكل والآلام والتّضحيات، لأنّ ذلك هو الّذي يحقّق للمستقبل ثباته وقوّته، ويدفع به إلى الآفاق الرّحبة في موعد الشّروق.

وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ الّذي أنزله اللّه على داود عليه السّلام مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ وهو التّوراة- كما قيل- لأنّ اللّه سمّاها به في قوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ النّحل: 43.

وقيل: هو القرآن لأنّ اللّه أطلق عليه ذلك في أكثر من آية أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ، فيسيطرون عليها سيطرة حكم وقيادة ورسالة، فينفّذون برنامج الرّسالات الّذي يحوّل الأرض إلى ساحة للإيمان باللّه وإطاعة أوامره، وربّما يضاف إلى ذلك وراثة الأرض، في ما وعد اللّه عباده المتّقين، في وراثة الأرض الّتي تطلّ على الجنّة الّتي يتبوّأون فيها مواقعهم كما يشاؤون.

فهم الّذين يرثون الحياة كلّها في الدّنيا والآخرة، ليشعروا بالثّقة، بأنّ الأرض ليست مجرّد فرصة للأشرار، في حكمهم وعبثهم وفسادهم، بل قد تكون- ولو في نهاية المطاف- فرصة للأخيار من أتباع الرّسالات، لينطلقوا بالحركة الرّساليّة، لتشمل الحياة كلّها في مواردها ومصادرها وأوضاعها وأشخاصها ... ، ليكونوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت