الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ وإن كان شافعيّ المذهب في الفروع، إلاّ أنّه ـ نظرًا لاشتغاله بالحديث ـ [1] كان له ميل إلى مدرسة أهل الحديث السلفيّة، والتي كان من أبرز علمائها في عصره: شيخ الإسلام ابن تيميّة ـ رحمه الله ـ، ولعلّ اختلاطه بالشيخ كان له الأثر الكبير ـ بعد توفيق الله ـ في اقترابه من هذه المدرسة السلفيّة المباركة.
التعريف بالحافظ ابن كثير:
هو الإمام العلاّمة عماد الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن عمر ابن كثير القرشيّ، الدمشقيّ. من صميم العرب. ولد سنة: إحدى وسبع مئة في بيت علم وصلاح، فقد كان أبوه خطيبًا عالمًا.
طلب العلم في وقت مبكّر في بيئة مزدهرة بالعلم والعلماء، ثمّ أكرمه الله بزوجة صالحة هي زينب ابنة شيخه الحافظ المزّيّ ـ رحمه الله ـ [2] كانت حافظة للقرآن، ورزقه الله منها ذريّة
طيّبة اشتغلوا جميعًا بطلب العلم.
كانت له عناية بالفقه، وقد تمذهب في صغره على فقه الإمام الشافعيّ الذي كان سائدًا في عصره، ثمّ انتهى إلى التحقيق واتّباع الدليل. وكان محبًّا لشيخ الإسلام، كثير الأخذ عنه. وكان قرينًا للإمام ابن القيّم، محبًّا له، وتلميذًا للإمام الذهبيّ، وكان على نهجهم في مسائل الاعتقاد والأصول.
من أشهر شيوخه ـ غير من ذُكر ـ: ابن قاضي شهبة [3] ، وابن الزملكاني [4] .
(1) ليس كلّ من اشتغل بعلم الحديث يكون له ميل لمدرسة أهل الحديث السلفيّة، بل كان منهم من ناصب أهل الحديث العداء، وسخّر علمه بالحديث لتعميق التعصّب الأعمى في نفوس الأتباع، وصدّهم عن الحقّ. والتوفيق بيد الله تعالى.
(2) هو الحافظ الكبير جمال الدين أبو الحجّاج يوسف بن عبد الرحمن المزّيّ الشافعيّ، برع في فنون الحديث وغيرها، وحدّث بالكثير، فسمع منه الكبار والحفّاظ. أثنى عليه الأئمّة كابن تيميّة والذهبيّ. من تصانيفه: تهذيب الكمال والأطراف. (ينظر: شذرات الذهب: 6/ 136) .
(3) هو الشيخ الإمام كمال الدين أبو محمّد عبد الوهّاب بن ذؤيب الأسديّ الشافعيّ، كان بارعًا في الفقه والنحو. له زهد وعبادة. مات سنة: ستّ وعشرين وسبع مئة. (ينظر: البداية والنهاية: 18/ 275
(4) هو كمال الدين محمّد بن عليّ بن عبد الواحد المعروف بابن الزملكاني، شيخ الشافعية بالشام وغيرها، انتهت إليه رئاسة المذهب تدريسًا وإفتاءً ومناظرة، له مصنّفات كثيرة منها: مجلّد في الردّ على شيخ الإسلام في مسألة الطلاق وغير ذلك. مات سنة: سبع وعشرين وسبع مئة. (ينظر: البداية والنهاية: 18/ 286