سبق من دلالة ما بعده عليه، وتصدير النبيّ صلى الله عليه وسلم كتابه لعمرو بن حزم بهذه الآية.
أمّا من اختار العموم مطلقًا، وإن كان قوله ليس خارجًا عن الصواب؛ إلا أنّ بعض الأقوال التي ذكروها يبعد دخولها في معنى الآية، ومن ذلك قولهم: إنّ المراد عقود الجاهليّة. وإنّ من المعلوم أنّ سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن، وقد بعُد العهد عن زمن الجاهليّة، واندرست أكثر هذه العقود.
وكذا قولهم: إنها العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب، حتّى قالوا: إنّ المعنى: يا أيّها الذين آمنوا بالكتب المتقدّمة، أوفوا بالعهود التي عهدتها إليكم في شأن محمّد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وهو قوله: {وإذ أخذ الله ميثق الذين ... أوتوا الكتب لتبيّننّه للناس .. } [آل عمران: 187] [1] . وهذا خلاف معهود القرآن من إطلاق لفظ (الذين آمنوا) وإرادة المؤمنين بمحمّد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من هذه الأمّة، ثمّ إنّ سياق الآيات لا يدلّ عليه من قريب ولا بعيد، فإنّ قوله بعد ذلك: {أحلّت لكم بهيمة الأنعم .. } ، والآيات بعدها، لا يرتاب أحد أنّه خاصّ بالمؤمنين من هذه الأمّة. ولمّا أراد الله خطاب أهل الكتاب في السورة نفسها قال: {يا أهل الكتب .. } [المائدة: 15] ، وفي سورة النساء قال: {يأيّها الذين ... أوتوا الكتب .. } [النساء: 47] .
وأمّا بقيّة الأقوال فهي محتملة، بل هي غير خارجة عن القول المختار. وبهذا يتبيّن أنّ ما اختاره الشيخ هو أقرب الأقوال إلى معنى الآية وأعدلها.
(1) ينظر: معالم التنزيل للحسين البغوي (الرياض: دار طيبة) : 3/ 6.