اختار هذا القول: الإمام الطبريّ ـ رحمه الله ـ في تفسيره، وذكر أنّه الأولى
بالصواب [1] وعلّل اختياره بمثل ما ذكره الشيخ من دلالة موضوع السورة، حيث أتبع الله هذه الآية ببيان ما أحلّ لعباده وحرّم عليهم، وما أوجب عليهم من فرائضه ..
واستظهر هذا القول الزمخشريّ [2] في تفسيره، فذكر أنّه كلام قُدّم مجملًا، ثمّ عقّب بالتفصيل، وهو قوله: { .. أحلّت لكم بهيمة الأنعم .. } ، وما بعده [3] ، وتابعه النسفيّ [4] على ذلك [5] .
واختار ابن عطيّة ـ رحمه الله ـ العموم، فقال:"وأصوب ما يقال في تفسير هذه الآية، أن تعمّم ألفاظها بغاية ما تتناول، فيعمّم لفظ (المؤمنين) جملة في مُظهر الإيمان ـ إن لم يبطنه ـ، وفي المؤمنين حقيقة. ويعمّم لفظ (العقود) في كلّ ربط بقول موافق للحقّ والشرع .." [6] .
وتابعه أبوحيّان [7] ـ رحمه الله ـ، فقال:"والظاهر عموم المؤمنين في المخلص والمظهر، وعموم العقود في كل ربط يوافق الشرع، سواء كان إسلاميًا أم جاهليًّا" [8] .
والشيخ ـ رحمه الله ـ ذكر العموم أوّلًا لما تفيده (ال) من استغراق جنس ما دخلت عليه، ثمّ ذكر ـ في موضع آخر ـ القول الثاني، وصدّره بـ (قيل) كنوع اختيار، ولم يذكر غيره، وهذا الذي اختاره هو أعدل الأقوال في معنى الآية لما
(1) ينظر: جامع البيان: 4/ 388.
(2) هو أبو القاسم جار الله محمّد بن عمر الزمخشريّ المعتزليّ، إمام في اللغة والنحو والأدب، كان مجاهرًا بالاعتزال، وله التفسير المشهور: الكشّاف شحنه بالاعتزاليات دسًّا، مات سنة ثمان وثلاثين وخمس مئة. (ينظر: نزهة الألبّاء في طبقات الأدباء لابن الأنباري(الأردن: مكتبة المنار) : ص 290، ومعجم الأدباء لياقوت الحمويّ (بيروت: دار الفكر) : 19/ 126).
(3) ينظر: الكشّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل (بيروت: دار المعرفة) : 1/ 320.
(4) هو أبو البركات، عبد الله بن أحمد بن محمود النسفيّ الحنفيّ، الفقيه والأصوليّ والمفسّر، صاحب المصنّفات العديدة، مات سنة إحدى وسبع مئة. (ينظر: الدرر الكامنة: 2/ 247) .
(5) ينظر: مدارك التنزيل وحقائق التأويل (بيروت: دار الكلم الطيّب) : 1/ 266.
(6) المحرّر الوجيز: 4/ 315.
(7) هو أثير الدين أبو حيّان، محمّد بن يوسف بن عليّ بن حيّان، النحويّ، اللغويّ، المفسّر، له كتاب البحر المحيط في التفسير، مات سنة خمس وأربعين وسبع مئة. (ينظر: معرفة القرّاء الكبار على الطبقات والأعصار للذهبيّ(بيروت: مؤسّسة الرسالة) : 2/ 723، وطبقات المفسّرين للأدنروي (المدينة: مكتبة العلوم والحكم) : 1/ 278).
(8) البحر المحيط: 3/ 428.