وحجّته:"أنّ الله ـ سبحانه ـ حرّم ما لم يسمَّ الله عليه من الذبائح، وأذن في طعام أهل الكتاب، وهم يقولون: إنّ الله هو المسيح ابن مريم، وإنّه ثالث ثلاثة ـ تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا ـ فإن لم يذكروا اسم الله ـ سبحانه ـ أُ كل طعامهم، وإن ذكروا؛ فقد علم ربّك ما ذكروا، وأنّه غير الإله، وقد سمح فيه، فلا ينبغي أن يخالف أمر الله ولا يقبل عليه، ولا تضرب الأمثال له" [1] .
والقول الأوّل هو الراجح لوجهين:
-أحدهما: عموم قوله تعالى: { .. وما أهلّّ لغير الله به .. } ، وهو عموم محفوظ ـ كما سبق ـ يعمّ كل ما نطق به لغير الله، أو كان منويًا لغيره ولو بلا نطق.
والإهلال وإن كان معناه في الأصل رفع الصوت، إلا أنّ الحكم في هذا لا يختلف برفع الصوت وخفضه، وإنّما جاء التعبير بهذا اللفظ، جريًا على عادتهم في رفع الصوت عند الذبح، وإلا فإنّ العبرة بالنية [2] .
-الثاني: ورود النهي الصريح عن الأكل ممّا لم يذكر اسم الله عليه، كما قال تعالى: {ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم الله عليه وإنّه لفسق .. } [الأنعام: 121] ، وهذا نهي عامّ عن كلّ مالم يذكر اسم الله عليه على سبيل العمد؛ فما ذكر عليه اسم غير الله كالمسيح ونحوه، من باب أولى. وهذا ممّا احتجّ به الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ، في أصحّ الروايتين عنه [3] .
أمّا ما احتجّ به أصحاب القول الثاني من اختلاف مفهوم الإله عند النصارى، حيث إنّهم يقولون: إنّ الله هو المسيح ابن مريم، وإنّه ثالث ثلاثة .. ، وأنّ الله قد علم ما ذكروا، وأنّه غير الإله، ومع ذلك أحلّ طعامهم ..
فالجواب: أنّ ما ذكروه من قولهم:"إنّ الله علم ما ذكروا، وأنّه غير الإله"ليس بصحيح، فإنّ النصارى متفقون على الإيمان بإله واحد، لكنّهم أفسدوا
(1) أحكام القرآن: 2/ 554.
(2) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم: 2/ 557.
(3) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم: 2/ 554.