قوله تعالى: {اتّخذوا أحبارهم ورهبنهم أربابًا من ... دون ... الله والمسيح ابن ... مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحنه عمّا يشركون ... } [التوبة: 31] ، فوصفهم بأنّهم مشركون. وسبب هذا: أنّ أصل دينهم الذي أنزل الله به الكتب، وأرسل به الرسل، ليس فيه شرك، كما قال تعالى: {وما أرسلنا من ... قبلك من ... رسول إلا نوحي إليه أنّه لا إله إلا أنا فاعبدون ... } [الأنبياء: 25] ، وقال تعالى: {وسل من ... أرسلنا من ... قبلك من ... رسلنا أجعلنا من ... دون ... الرحمن ... ءالهة يُعبدون ... } [الزخرف: 45] ، وقال: {ولقد بعثنا في ... كلّ أمّة رسولًا أن ... اعبدوا الله واجتنبوا الطغوت .. } [النحل: 36] ، ولكنّهم بدّلوا، وغيّروا، فابتدعوا من الشرك ما لم ينزّل به سلطانًا، فصار فيهم شرك باعتبار ما ابتدعوا، لا باعتبار أصل الدين.
وقوله تعالى: { .. ولا تمسكوا بعصم الكوافر .. } هو تعريف الكوافر المعروفات، اللاتي كنّ في عصم المسلمين، وأولئك كنّ مشركات لا كتابيّات، من أهل مكّة ونحوها.
الوجه الثاني: إذا قدّر أن لفظ (المشركات) ، و (الكوافر) يعمّ الكتابيات، فآية المائدة خاصّة، وهي متأخّرة، نزلت بعد سورة الممتحنة والبقرة باتّفاق العلماء، كما في الحديث:"المائدة من آخر القرآن نزولًا، فأحلّوا حلالها، وحرّموا حرامها" [1] ، والخاصّ المتأخر، يقضي على العامّ المتقدّم باتّفاق علماء المسلمين، لكنّ الجمهور يقولون: إنّه مفسّر له. فتبيّن أنّ صورة التخصيص لم ترد باللفظ العامّ، وطائفة يقولون: إنّ ذلك نُسخ بعد أن شُرع.
الوجه الثالث: إذا فرضنا النّصّين خاصّين، فأحد النّصّين حرّم ذبائحهم ونكاحهم، والآخر أحلّهما؛ فالنصّ المحلّل لهما يجب تقديمه لوجهين، أحدهما: أنّ سورة المائدة هي المتأخّرة باتّفاق العلماء، فتكون ناسخة للنصّ
(1) أخرجه أحمد في المسند: 6/ 213، برقم: 25535، والنسائيّ في السنن الكبرى (بيروت: دار الكتب العلميّة) : 6/ 333، برقم: 11138، والحاكم في المستدرك (بيروت: دار الكتب العلميّة) : 2/ 340، برقم: 3210، والبيهقيّ في السنن الكبرى: 7/ 172، برقم: 13756، كلّهم موقوفًا على عائشة، وصحّحه ابن حجر في الفتح: 5/ 412. ولم أجده مرفوعًا.