فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 821

ورجّح أبو بكر الجصّاص: جواز تقديم بعض أعضاء الوضوء على بعض ـ وهو مذهب الحنفيّة [1] ـ، بل حكم ببطلان قول القائلين بإيجاب الترتيب، واستدلّ بما يلي:

-أوّلًا: أنّ القول بإيجاب الترتيب خروج عن إجماع السلف والفقهاء، لما روي عن عليّ، ـ رضي الله عنه ـ:"ما أبالي بأي أعضائي بدأت، إذا أتممت وضوئي" [2] ، وروي مثله عن عبد الله بن مسعود، وأبي هريرة ـ رضي الله عنهما ـ. قال: ولا يروى عن أحد من السلف والخلف ـ فيما نعلم ـ مثل هذا القول (أي القول بالوجوب) .

وقد أجاب الشيخ عن ذلك بما نقله عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ أنّ عليًّا إنّما أراد تقديم اليسرى على اليمنى، لأنّ مخرجهما من الكتاب واحد. بل قد ورد عن عليّ ما يفيد وجوب الترتيب، فقد قال الإمام أحمد:"حدّثني جرير عن قابوس، عن أبيه، أنّ عليًّا سئل، فقيل له: أحدنا يستعجل، فيغسل شيئًا قبل شيء؟ فقال: لا, حتّى يكون كما أمره الله ـ تعالى ـ"، فدلّ على أن التفصيل هو قول عليّ ـ رضي الله عنه ـ.

وكذلك ما روي عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ، إنّما هو بهذا المعنى [3] .

أمّا ما روي عنه أنّه قال:"لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك" [4] ، فقد قال الإمام أحمد، وغيره:"لا نعرف له أصلًا"، ونقلوا في الوجوب عن سعيد بن المسيّب [5] ، وعطاء. وغيرهما من أئمّة التابعين. وبهذا يتبيّن أنّ

(1) ينظر: اللباب في الجمع بين السنّة والكتاب للمنبجي (جدّة: دار الشروق) : 1/ 134.

(2) أخرجه أحمد في العلل ومعرفة الرجال (بيروت: المكتب الإسلامي) : 1/ 205، برقم: 214. وفي سنده انقطاع. وأخرجه البيهقيّ في السنن الكبرى بسنده (1/ 87) ، عن زياد مولى بني مخزوم قال: جاء رجل إلى عليّ ـ رضي الله عنه ـ فسأله عن الوضوء، فقال:"أبدأ باليمين، أو بالشمال"، فأضرط به عليّ (أي استخفّ به) ، ثمّ دعا بماء، فبدأ بالشمال قبل اليمين. قال: ورواه حفص بن غيّاث، عن إسماعيل، عن زياد، قال: قال عليّ:"ما أبالي لو بدأت بالشمال قبل اليمين، إذا توضّات".

(3) ينظر: مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (المدينة: مكتبة الدار) : 1/ 100.

(4) أخرجه البيهقيّ في السنن الكبرى (1/ 87) ، عن سليمان بن موسى، عن مجاهد، قال: قال عبد الله:"لا بأس أن"

تبدأ برجليك قبل يديك". قال الدارقطني:"هذا مرسل، ولا يثبت، لأنّ مجاهدًا لم يدرك عبد الله بن مسعود.

(5) هو التابعيّ الجليل: سعيد بن المسيّب بن حزن بن أبي وهب، الإمام العلم، أبو محمد القرشيّ، المخزوميّ، سيّد

التابعين في زمانه، سمع عثمان وعليًّا وغيرهما، وروى عنه إدريس بن صبيح وعطاء الخراساني، وخلق، مات سنة ثلاث وتسعين. (ينظر: التاريخ الكبير: 3/ 510، وسير أعلام النبلاء: 4/ 217) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت