فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 821

على قراءة النصب فظاهر، مع قول من قال من الصحابة والتابعين: عاد الأمر إلى الغسل. وعلى قراءة الخفض أوكد؛ لأنّه مع تأخير الرجلين، أدخلهما في خبر المسح مراد به غسلهما، مع إمكان تقديمهما، والكلام العربيّ الجزل لا يُقطع فيه النظير عن النظير، ويُفصل بين الأمثال بأجنبيّ؛ إلا لفائدة. ولا فائدة هنا إلا الترتيب. وكذلك لو قال رجل: أكرمتُ زيدًا، وأهنت عمرًا، وأكرمت بكرًا، ولم يقصد مثل الترتيب ونحوه، لعُدّ عٍيًّا ولُكنة. ولا يجوز أن تكون الفائدة: استحباب الترتيب فقط؛ لأنّ الآية إنّما ذكر فيها الواجبات فقط، وكذلك لم يُذكر فيها ترتيب اليسرى واليمنى، وأيضًا ما ذكره بعض الفقهاء، وهو أنّا وجدنا المأمورات المعطوف بعضها على بعض، ما كان منها مرتبطًا بعضه ببعض؛ وجب فيه الترتيب، كقوله: { .. اركعوا واسجدوا .. } [الحجّ:77] ،وقوله: إنّ

الصفا والمروة من ... شعائر الله .. [البقرة:158] . وما لم يكن مرتبطًا، لم يجب فيه الترتيب، كقوله: {وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة .. } [البقرة: 43] ، {وأتمّوا الحجّ والعمرة لله .. } [البقرة:196] ، و {إنّما الصدقت للفقراء والمسكين .. } [التوبة:60] ، {واعلموا أنّما غنمتم من ... شي ... ء فأنّ ... لله خمسه .. } [الأنفال:41] ، وشبه ذلك. وآية الوضوء من القسم الأوّل.

وأيضًا، فإنّ الترتيب يجوز أن يكون مرادًا من جهة الابتداء، وفعله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ خرج امتثالًا للأمر، ولم يتوضأ قطّ إلا مرتّبًا، فيكون تفسيرًا للآية. لا سيّما ولو كان التنكيس جائزًا لفعله ولو مرّة، ليبيّن الجواز. وروى جابر ـ رضي الله عنه ـ أنّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لمّا طاف واستلم الركن، ثمّ خرج وقال:"إنّ الصفا والمروة من شعائر الله. فابدؤوا بما بدأ الله به"، هذا لفظ النسائيّ [1] ، فإمّا أن يكون اللفظ عامًّا، وإن كان

(1) أخرج الحديث بطوله: مسلم في كتاب الحجّ، باب حجّة النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: ص 300، برقم: 1218، بلفظ: (أبدأ) . وفي السنن وغيرها: (نبدأ) . وفي لفظ عند النسائيّ: 2/ 413، برقم: 3968، بلفظ الأمر: (ابدؤوا) . وهي التي أشار إليها الشيخ. وهي عند الدارقطنيّ أيضًا: 2/ 254، برقم: 81.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت