تعلّم الخطّ والحساب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه فبرع فيه، وقرأ في العربيّة، وفي كتاب سيبويه حتّى فهمه واستدرك عليه، وبرع في النحو، وأقبل على التفسير إقبالًا كلّيًّا حتّى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أصول الفقه، وغير ذلك من العلوم.
وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره؛ فيتكلّم، ويناظر، ويفحم الكبار، ويأتي بما يتحيّر منه أعيان البلد في العلم، حتّى قيل إنّه أفتى وهو في السابعة عشرة من عمره، وشرع في الجمع
والتأليف من ذلك الوقت.
وكان والده من كبار الحنابلة، ومن أئمّتهم، فلمّا مات تولّى التدريس بعده وله إحدى وعشرون سنة.
وكان ـ رحمه الله ـ سيفًا مسلولًا على المخالفين، وشجىً في حلوق أهل الأهواء والمبتدعين، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، ناصرًا الدين، غير هيّاب ولا وجل.
قال الحافظ المزّيّ ـ رحمه الله ـ:"ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثل نفسه. وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنّة رسوله، ولا أتبع لهما منه".
وقال ابن الزملكانيّ ـ رحمه الله ـ:"كان إذا سئل عن فنّ من العلم، ظنّ الرائي والسامع أنّه لا يعرف غير ذلك الفنّ، وحكم أنّ أحدًا لا يعرف مثله. وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك".
وقد أثنى عليه خلق كثير من شيوخه، ومن كبار علماء عصره، حتّى من شانئيه، ومن أحسن ذلك ما قاله ابن سيّد الناس في أجوبته عن سؤالات ابن أيبك الدمياطيّ [1] ، فإنّه قال ـ بعد ثنائه على المزّيّ ـ:"وهو الذي حداني على رؤية الشيخ الإمام شيخ الإسلام: تقيّ الدين أبي العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن تيميّة، فألفيته مّمن أدرك من العلم حظًّا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا. إن تكلّم في التفسير فهو حامل رايته، أو أتى في الفقه؛ فهو مدرك"