غايته، أو ذاكر بالحديث؛ فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر بالنِّحل والملل؛ لم يُر أوسع من نِحلته في ذلك، ولا أرفع من درايته. برز في كلّ فنّ على أبناء جنسه، ولم تَر عينُ مَنْ رآه مثله، ولا رأت عينُه مثل نفسه. كان يتكلّم في التفسير؛ فيحضر مجلسه الجمّ الغفير، ويردون من بحر علمه العذب النمير، ويرتعون من ربيع فضله في روضة وغدير، إلى أن دبّ إليه من أهل بلده داء الحسد، وأكبّ أهل النظر منهم على ما يُنتقد عليه في حنبليّته من أمور المعتقد، فحفظوا عنه في ذلك كلامًا؛ أوسعوه بسببه ملامًا، وفوّقوا لتبديعه سهامًا، وزعموا أنّه خالف طرقتهم، وفرّق فريقهم، فنازعهم ونازعوه، وقاطع بعضهم وقاطعوه .."إلى آخر ما ذكر."
وقال الحافظ الذهبيّ ـ رحمه الله ـ في تذكرة الحفّاظ:"وكان من بحور العلم، ومن الأذكياء المعدودين، والزهّاد الأفراد، والشجعان الكبار، والكرماء الأجواد. أثنى عليه الموافق والمخالف، وسارت بتصانيفه الركبان، لعلّها ثلاث مئة مجلّد".
وقال ابن دقيق العيد ـ رحمه الله ـ:"لمّا اجتمعت بابن تيميّة، رأيت رجلًا كلّ العلوم بين عينيه، يأخذ ما يريد، ويدع ما يريد".
أمّا مصنفاته؛ فهي كثيرة جدًّا، وقد جمع أسماءها تلميذه ابن رُشيِّق المغربيّ المالكي في رسالة لطيفة بعنوان: (أسماء مؤلّفات ابن تيمية) [1] لكنّه لم يستوعب، وبعض ما ذكره مفقود لم يصل إلينا اليوم [2] .
وأمّا صفاته؛ فقد اجتمع فيه من الصفات ما لم يجتمع في غيره من معاصريه، هذا مع تكالب الأعداء، وقلّة الناصر.
(1) طبعت هذه الرسالة منسوبة إلى ابن القيّم ـ رحمه الله ـ بتحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد (بيروت: دار الكتاب الجديد) . والتحقيق أنّها لابن رشيّق أبي عبد الله محمّد بن عبد الله بن أحمد المتوفى سنة تسع وأربعين وسبع مئة. (ينظر تحقيق ذلك بالتفصيل في مقدّمة الطبعة الأولى لكتاب الجامع لسيرة شيخ الإسلام من ص 56 - 63.
(2) قال المقريزيّ ـ رحمه الله ـ في كتابه (المقفّى الكبير) :"وأكثر مصنّفاته مسوّدات لم تبيّض، وأكثر ما يوجد منها الآن بأيدي الناس قليل من كثير، فإنّه أُحرق منها شيء كثير ولا قوّة إلا بالله". وينظر: الجامع لسيرة الشيخ: ص 513.