فعقّب الطبريّ على ذلك بقوله:"والذي قاله قتادة غير مدفوع إمكانه، غير أنّ الناسخ الذي لاشكّ فيه من الأمر، هو ما كان نافيًا كلّ معاني خلافه الذي كان قبله. فأمّا ما كان غير نافٍ جميعه، فلا سبيل إلى العلم بأنّه ناسخ، إلا بخبر من الله ـ جلّ وعزّ ـ، أو من رسوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وليس في قوله: {قتلوا الذين ... لا يؤمنون ... بالله .. } دلالة على الأمر بنفي معاني الصفح والعفو عن اليهود" [1] .
وهذا الذي ذكره الطبريّ ـ رحمه الله ـ، في معنى ما ذكره الشيخ، إلا أنّ الطبريّ يرى أن العفو والصفح عنهم يكون مع إقرارهم بالصّغار، وأدائهم الجزية، وذلك في غدرة همّوا بها، أو نكثة عزموا عليها، ما لم ينصبوا حربًا دون أداء الجزية، ويمتنعوا من الأحكام اللازمتهم، وليس في حال ضعف المسلمين كما ذكر الشيخ.
وقد جعل الشيخ حكم هذه الآية، كالتي في سورة البقرة، وهو قوله تعالى: {فاعفوا واصفحوا حتّى ... يأتي ... َ ... الله بأمره .. } [البقرة:109] ، أمّا الطبريّ، فاختار النسخ في آية البقرة [2] ، مع تشابه الآيتين.
وخالفه ابن الجوزيّ ـ رحمه الله ـ، فرأى عدم النسخ في آية البقرة، لأنّ الله لم يأمر بالعفو مطلقًا، بل إلى غاية, ومثل هذا لا يدخل في النسخ [3] .
واختار عامّة المفسّرين في الآيتين وما شابههما: النسخ. ثمّ اختلفوا في الناسخ، فاختار بعضهم أنّ الناسخ: آية السيف، وهو قوله تعالى: { .. فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم .. } [التوبة: 5] [4] .
واختار آخرون أنّ الناسخ: آية الصغار، وهو قوله تعالى: قتلوا الذين ... لا يؤمنون ... بالله ولا
(1) جامع البيان: 4/ 498، 499.
(2) السابق: 1/ 536.
(3) ينظر: المصفّى بأكفّ أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ (بيروت: مؤسسة الرسالة) : ص 16.
(4) ينظر: الوجيز للواحديّ: 1/ 312، ومعالم التنزيل للبغويّ: 3/ 31، 32.