فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 821

وافق الشيخ في اختياره في هذه الآية: الزركشيّ ـ رحمه الله ـ، وأبان عن ذلك بكلام نفيس، فقال في مبحث ضروب النسخ:"الثالث: ما أمر به لسبب، ثمّ يزول السبب، كالأمر حين الضعف والقلّة، بالصبر وبالمغفرة للذين لا يرجون لقاء الله، ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، ونحوها، ثمّ نسخه إيجاب ذلك. وهذا ليس بنسخ في الحقيقة، وإنّما هو نسء، كما قال تعالى: {أو ننسأها} [1] [البقرة:106] ، فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون. وفي حال الضعف، يكون الحكم: وجوب الصبر على الأذى. وبهذا التحقيق يتبيّن ضعف ما لهج به كثير من المفسّرين في الآيات الآمرة بالتخفيف، أنّها منسوخة بآية السيف. وليست كذلك، بل هي من المنسأ، بمعنى أنّ كلّ أمر ورد، يجب امتثاله في وقت ما، لعلّة توجب ذلك الحكم، ثمّ ينتقل بانتقال تلك العلّة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنّما النسخ: الإزالة حتّى لا يجوز امتثاله أبدًا ..".

إلى أن قال: وليس حكم المسايفة ناسخًا لحكم المسالمة، بل كلّ منهما يجب امتثاله في وقته" [2] ."

أمّا الطبريّ ـ رحمه الله ـ، فقد وافق الشيخ في القول بعدم النسخ، لكنّه خالف في التعليل. فقد أخرج بسنده، عن قتادة ـ رحمه الله ـ في قوله تعالى: { .. فاعفُ عنهم واصفح إنّ ... الله يحب المحسنين} أنّه قال:"لم يؤمر يومئذٍ بقتالهم، فأمره الله ـ عزّ ذكره ـ أن يعفو عنهم ويصفح، ثمّ نسخ ذلك في (براءة) ، فقال: {قتلوا الذين ... لا يؤمنون ... بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ... ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون ... دين ... الحقّ من ... الذين ... أوتوا الكتب حتّى ... يعطوا الجزية عن ... يد وهم صغرون ... } [التوبة: 29] ، وهم أهل الكتاب، فأمر ـ جلّ ثناؤه ـ نبيه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أن يقاتلهم حتّى يسلموا، أو يقرّوا بالجزية"انتهى قول قتادة.

(1) هذه قراءة ابن كثير، وأبي عمرو البصريّ. وقرأ الباقون: (ننسها) بحذف الهمزة. (ينظر: كتاب السبعة في

القراءات: 1/ 168.

(2) البرهان في علوم القرآن (بيروت: دار المعرفة) : 2/ 42، 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت