والصحراء واحد .. بل هم في البنيان أحقّ بالعقوبة منهم في الصحراء .. وهذا هو الصواب" [1] ."
وذكر الشيخ أنّ هذا القول هو قول مالك ـ في المشهور عنه ـ [2] ، والشافعيّ [3] ، وأكثر أصحاب أحمد [4] ، وبعض أصحاب أبي حنيفة [5] .
واحتجّ الشيخ بما يلي:
1.أنّ البنيان محلّ الأمن والطمأنينة، ومحلّ تناصر الناس وتعاونهم، فإقدامهم عليه يقتضي شدّة المحاربة والمغالبة.
2.ولأنّهم يسلبون الرجل في داره جميع ماله، والمسافر لا يكون معه ـ غالبًا ـ إلا بعض ماله [6] .
والقول الثاني، قول أبي حنيفة [7] ، وسفيان [8] ، وإسحق [9] ، وحجّتهم: اعتبار المنعة من المحارَبين، وأنّهم متى كانوا في موضع يمكنهم أن يمتنعوا، وقد يلحق من قصدوه الغوث من قبل المسلمين ـ أنّهم ليسوا محاربين، وإنّما هم بمنزلة المختلس والمنتهب، وقد قال النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"ليس على المنتهب، ولا على المختلس، ولا على الخائن قطع" [10] .
الدراسة، والترجيح:
(1) السياسة الشرعية (الرياض: وزارة الشؤون الإسلامية) : ص 66، (باختصار) .
(2) ينظر: المدوّنة الكبرى (بيروت: دار صادر) : 16/ 302.
(3) ينظر: الأمّ: 4/ 230.
(4) ينظر: المغني لابن قدامة: 12/ 474.
(5) ينظر: أحكام القرآن للجصّاص: 2/ 413.
(6) ينظر: السياسة الشرعية: ص 66.
(7) ينظر: المبسوط للسرخسي (بيروت: دار المعرفة) : 9/ 201.
(8) أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب، الثوريّ الكوفيّ المجتهد، سيّد العلماء في زمانه، فاق عدد
شيوخه الستّ مئة، حدّث عنه خلق منهم: الأعمش، وجعفر الصادق، مات سنة إحدى وستين ومئة. (ينظر: مشاهير علماء الأمصار: ص 169، وسير أعلام النبلاء: 7/ 229) .
(9) إسحق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن راهويه، سيّد الحفّاظ، أبو يعقوب، سمع من ابن المبارك، والفضيل بن
عياض. حدّث عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، مات سنة ثمان وثلاثين ومئتين. (ينظر: طبقات الحنابلة(بيروت: دار المعرفة) : 1/ 109، وسير أعلام النبلاء: 11/ 358).
(10) أخرجه أبو داود في كتاب الحدود، باب: القطع في الخلسة والخيانة: 5/ 80، برقم:439، والترمذيّ في الحدود =
= أيضًا، باب ما جاء في الخائن والمختلس والمنتهب: 4/ 52، برقم: 1448، والنسائيّ في كتاب قطع السارق، باب ما لا قطع فيه: 8/ 88، برقم:4971، وابن ماجه في الحدود، باب الخائن والمنتهب والمختلس: 2/ 92، برقم: 2620، بألفاظ متقاربة، وصحّحه الألبانيّ كما في صحيح الجامع: 5/ 93، برقم: 5278.