وافق الشيخ في ترجيحه: الطبريَّ [1] ، والبغويّ [2] ، وابن العربيّ [3] .
وخالفهم الجصّاص، فرجّح قول أبي حنيفة [4] .
والراجح هو القول الأوّل، لوجوه:
-أحدها: عموم الآية، ولا مخصّص له [5] .
-فعله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، فإنّه أقام حدّ الحرابة على العرنيين [6] ، مع أنّهم في الأصل لم يكونوا قطّاع طريق، بل كانوا مأمونين، وفعلهم أشبه بالخيانة والغدر، إلا أنّهم شهروا السلاح، وقتلوا، ومثّلوا، وأخذوا المال.
وقولهم: إنّ الخارج على المسلمين في المصر، في حكم المختلس، والمنتهب ونحوهما، غير
مسلّم، فإنّ الاختلاس: أخذ المال بغتة، على وجه السرعة، من غير سلاح، ولا قتال، ولا إظهار محاربة [7] ، فلا يصدق على صاحبه أنّه محارب لله ورسوله، وساع في الأرض بالفساد. بخلاف من خرج على المسلمين معلنًا الحرب، وقد حمل السلاح، وأخاف السبيل.
وقد ذهب بعض أهل العلم [8] إلى أنّ الفيصل في ذلك هو إمكان طلب الغوث، فإن كان الخارجون قد خرجوا في موضع، أو مصرٍ يلحق أهله فيه الغوث عادة، فهم مختلسون، وإلا فهم محاربون. لكنّ هذا القول لا دليل عليه
(1) ينظر: جامع البيان: 4/ 552.
(2) ينظر: معالم التنزيل: 2/ 32.
(3) ينظر: أحكام القرآن له: 2/ 597.
(4) ينظر: أحكام القرآن له: 2/ 413. وتبعه من المتأخّرين: محيي الدين شيخ زاده في حاشيته على تفسير البيضاوي: (بيروت: دار الكتب العلميّة) : 3/ 517.
(5) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبيّ: 6/ 151.
(6) حديث العرنيين أخرجه البخاريّ في كتاب الوضوء، باب: أبوال الإبل والدوابّ والغنم ومرابضها:1/ 92، عن
أنس ـ رضي الله عنه ـ، قال: قدم أناس من عُكْلٍ أو عرينة، فاجتووا المدينة، فأمرهم النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بلقاح، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلمّا صحّوا، قتلوا راعي النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، واستاقوا النعم، فجاء الخبر في أوّل النهار، فبعث في آثارهم، فلمّا ارتفع النهار جيء بهم، فأمر فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم، وأُلقوا في الحرّة، يستسقون فلا يسقون.
وأخرجه مسلم في القسامة: باب: حكم المحاربين والمرتدين: ص 433، برقم: 1671.
(7) ينظر: حاشية السنديّ (حلب: مكتب المطبوعات الإسلاميّة) : 8/ 88.
(8) ينظر: أحكام القرآن للجصّاص: 2/ 413، والمغني لابن قدامة: 12/ 474.