فهرس الكتاب
مرتدًّا، لكن من جمع بين المحاربة والفساد، مع الإصرار عليهما، فقد بلغ غاية الكفر، واستحقّ أشدّ العقوبات، والله تعالى أعلم.
فتبيّن ممّا سبق أنّ قتل المحارب لله ورسوله، ولو لم يَقْتل، ليس فيه تقدّم على الله ورسوله كما قالوا، بل هو مقتضى كلام رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وما يدلّ عليه ظاهر القرآن.
-ثالثًا: قولهم: إنّ (أو) تأتي لمعان، وأنّها هنا نظير قوله تعالى: {كونوا هودًا أو نصرى} [البقرة:135] ، فإنّ ذلك قياس مع الفارق، فإنّ الجمع بين بعض العقوبات الأربع جائز عند بعضهم، بخلاف قوله (كونوا هودًا أو نصارى .. ) ، فإنّ الجمع فيه ممتنع [1] ، فدلّ ذلك على اختلاف معنى (أو) في الآيتين.
والعجب من الطبريّ ـ رحمه الله ـ، فإنّه لمّا ذكر رأيه في تأويل الآية، وأنّ القول بالتخيير مخالف لما صحّت به الآثار عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من قوله:"لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث .." [2] ، وقوله:"القطع في ربع دينار فصاعدًا" [3] ، عقّب على ذلك بقوله:"فإن قال قائل: فإنّ هذه الأحكام التي ذكرت[أي في"
هذين الحديثين] كانت عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في غير المحارب، وللمحارب حكم غير ذلك منفرد به. قيل له: فما الحكم الذي انفرد به المحارب في سننه؟ فإن ادّعى عنه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ حكمًا خلاف الذي ذكرناه، أكذبه جميع أهل العلم، لأنّ ذلك غير موجود بنقل واحد، ولا جماعة" [4] ."
(1) ينظر: البحر المحيط لأبي حيّان: 1/ 577.
(2) سبق تخريجه قريبًا.
(3) أخرجه مالك في الموطأ (بيروت: دار الآفاق الجديدة) : 2/ 832، برقم: 1520، وابن حبّان في صحيحه: 10/ 313، برقم: 4462، والبيهقيّ في سننه: 8/ 262، كلّهم موقوفًا على عائشة، وروي مرفوعًا بلفظ:"لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا"أخرجه البخاريّ في صحيحه في كتاب الحدود، باب: قول الله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما .. } [المائدة: 38] : 6/ 2491، برقم: 6407. ومسلم في كتاب الحدود، باب حدّ السرقة ونصابها: ص 438، برقم: 1684.
(4) جامع البيان: 4/ 556.