السجن، في الإسلام [1] ، وقد كان النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ إذا أراد حبس رجل، ربطه في سارية المسجد، كما فعل بثمامة بن أثال [2] . أو حبسه ساعة من نهار، في دهليز ونحوه، حتّى يتحقّق منه، كما جاء في الحديث أنّه حبس رجلًا في تهمة، ساعة من نهار، ثمّ خلّى عنه [3] . ولم يثبت عنه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه اتّخذ سجنًا، لا قبل نزول آية الحرابة، ولا بعدها، ومحال أن تنزل الآية بجزاء لا وجود له في زمن الوحي. ولا أعلم ـ بعد البحث والتحرّي ـ أنّ الشارع الحكيم رتّب الجزاء بالسجن على معصية من المعاصي، أو جريمة من الجرائم، وإنّما أحدث السجن في زمن عمر بن الخطّاب ـ رضي الله عنه ـ من باب التعزير والتأديب، للحاجة إلى ذلك.
2.أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لو أراد بالنفي السجن، لاختصر الكلام، ولقال: (أن يسجنوا) أو (يحبسوا) ، فلمّا عدل عن ذلك إلى لفظ أطول، دلّ على أنّه أراد معنى آخر غير السجن، وفي الكلام الفصيح؛ يقبح أن يُعدل عن الكلمة الجامعة التي هي في غاية البيان لما دلّت عليه، إلى لفظ أطول منها، وأقلّ بيانًا، مع ما في الكلمة الجامعة الواضحة من إزالة اللبس، وتبيين المراد [4] ، فكيف بكلام الله الذي هو غاية الفصاحة والبلاغة.
وقولهم:: إنّه إذا صار إلى بلد آخر، كانت معرّته قائمة على المسلمين .. يجاب عنه من وجهين:
(1) ينظر: مصنّف عبد الرزّاق (بيروت: المكتب الإسلامي) : 5/ 148، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 6/ 153.
(2) أخرجه البخاريّ في أبواب المساجد، باب دخول المشرك المسجد: 1/ 179، برقم: 457.
وثمامة بن أثال هو ابن النعمان بن مسلمة الحنفيّ، أبو أمامة، سيّد أهل اليمامة. وقصّة إسلامه مشهورة في الصحيح. ذكر ابن إسحق أنّ ثمامة ثبت على إسلامه لمّا ارتدّ أهل اليمامة، ولحق هو ومن اتّبعه بالعلاء بن الحضرميّ لمّا مرّ بهم متوجّهًا إلى البحرين لمقاتلة المرتدّين، وقتل هناك. (ينظر: الإصابة مع الاستيعاب: 1/ 204، 205) .
(3) أخرجه أبو داود في كتاب الأقضية، باب في الحبس في الدين وغيره: 4/ 231، برقم: 3625، والترمذي في كتاب
الديات، باب ما جاء في الحبس في التهمة: ص 436، برقم: 1421، والنسائيّ في كتاب قطع السارق، باب امتحان السارق بالضرب والحبس: 8/ 67، برقم:7362، والبيهقيّ في السنن الكبرى: 6/ 53، برقم: 1073، والحاكم في المستدرك:4/ 114، برقم: 7063. وحسّنه الألبانيّ كما في صحيح سنن أبي داود: (بيروت: المكتب الإسلامي) : 2/ 691.
(4) ينظر: إعلام الموقّعين: 1/ 261.