فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 821

وقد صدق ـ رحمه الله ـ وهل نحن إلا من هؤلاء الذين ذكر، لا سيما قوله:"وتتبّع الهمم النافذة لمباحثه وترجيحاته".

وأمّأ نصرته للسنّة المحضة، وذبّه عن الشريعة، وقيامه على أهل البدع؛ فأمر لا ينتهي منه العجب حتّى تفرّد في ذلك بأمور لم يُسبق إليها، بل لم يجرؤ عليها أحد من معاصريه، ومن ذلك تكسيره للأحجار التي كان الناس يزورونها، ويتبرّكون بها، ويقبّلونها، وينذرون لها النذور، ويلطّخونها بأطيب العطور، ويطلبون عندها قضاء حاجاتهم، ويعتقدون أنّ من تعرّض لها بسوء بقول أو فعل، أصابته في نفسه آفة من الآفات، ومن هذه الأحجار صخرة كبيرة كانت بمحراب مسجد من مساجد دمشق، كان للناس فيها اعتقاد، وقد استفاض بين الناس أنّه حُطّ عليها رأس الحسين ـ رضي الله عنه ـ فانشقت له ... فلمّا بلغ ذلك الشيخ، ذهب إليها وضربها بنعله، وقال ـ ساخرًا ـ:"أن أصاب أحدًا منها شيء، أصابنا نحن قبله"، فتقدّم إليها الحفّارون، وحفروا عليها، فإذا هي رأس عمود كبير، فكسروه وأحرقوه [1] .

وأمّا جهاده؛ فقد كان ـ رحمه الله ـ من أعظم المحرّضين على مقاتلة التتار، وصدّهم عن ديار المسلمين، وله في ذلك مواقف مشهودة، حتّى إنّه اجتمع بجميع أركان الدولة، وذكر لهم حاجة المسلمين إلى الغوث، وحصل بسببه همم عليّة، وأُعلن الجهاد، وقويت العزائم، إلى أن ورد الخبر بانصراف التتار.

وفي وقعة شقحب المشهورة [2] ، لمّا جاء السلطان، لاقاه الشيخ، وجعل يشجّعه ويثبّته، فلمّا رأى السلطان كثرة التتار قال: يا لخالد بن الوليد. فقال له الشيخ: لا تقل هذا، وقل: يا الله، واستغث بالله ربك، ووحّده وحده، تُنصر، وقل: يا مالك يوم الدين، إيّاك نعبد وإيّاك نستعين. ثمّ ما زال يُقبل تارة على

(1) قد كتب الشيخ إبراهيم الغيانيّ ـ رحمه الله ـ فصلًا في ذلك بعنوان: (فصل فيما قام به ابن تيميّة وتفرّد به وذلك في تكسير الأحجار) ، وهو ضمن كتاب الكواكب الدراري (مخطوط) ونشره محبّ الدين الخطيب في القاهرة سنة 1368 هـ بعنوان: (ناحية من حياة شيخ الإسلام ابن تيميّة) .ينظر الجامع لسيرة الشيخ: ص 132 - 150.

(2) شَقْحَب على وزن جعفر: قرية قرب دمشق تبعد عنها قرابة 37 كيلو مترًا، وقعت فيها المعركة المذكورة. (ينظر: تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي(بيروت: دار الفكر) : 2/ 124).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت