رجّح الشيخ ـ رحمه الله ـ أنّ اللام في هذه الآية، في الموضعين، لام التعدية، مثل قول القائل: (سمع الله لمن حمده) ، وأنكر أن تكون لام كي.
قال ـ رحمه الله ـ في تفسير هذه الآية:"قيل: اللام لام (كي) ، أي يسمعون ليكذبوا، ويسمعون لينقلوا إلى قوم آخرين لم يأتوك. فيكونون كذّابين، ونمّامين جواسيس. والصواب أنّها لام التعدية، مثل قوله: (سمع الله لمن حمده) ، فالسماع مضمّن معنى القبول، أي قابلون للكذب، ويسمعون من قوم آخرين لم يأتوك، ويطيعونهم، فيكون ذمًّا لهم على قبول خبر الكاذب، وعلى طاعة غيره من الكفّار والمنافقين، مثل قوله: { .. ولأوضعوا خللكم يبغونكم الفتنة وفيكم سمّعون ... لهم .. } [التوبة:47] ، أي: هم يطلبون أن يفتنوكم، وفيكم من يسمع منهم، فيكون قد ذمّهم على اتّباع الباطل في نوعي الكلام، خبره وإنشائه. فإنّ باطل الخبر: الكذب. وباطل الإنشاء: طاعة غير الرسل .." [1] .
واحتجّ الشيخ بما يلي:
1.السياق؛ حيث ذكر أنّ السياق يدلّ على أنّ الثاني هو المراد [2] .
2.أنّ الجاسوس إنّما ينقل خبر القوم إلى من لا يعرفه، ومعلوم أنّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لم يكن ما يفعله ويأمر به يخفى على أحد من أهل المدينة، من المؤمنين والمنافقين وغيرهم، ولم يكن يقصد أن يكتم يهود المدينة ما يقوله ويفعله .. [3] .
الدراسة، والترجيح:
عامّة المفسّرين وأهل اللسان، يذكرون القولين دون ترجيح، على أنّ الآية تحتملهما [4] .
(1) مجموع الفتاوى: 14/ 452. وينظر: مجموع الفتاوى: 1/ 208، و: 25/ 129، والجواب الصحيح: 2/ 285،
(2) ينظر: مجموع الفتاوى: 25/ 129. وينظر: تفسير أبي السعود إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم (بيروت: دار إحياء التراث العربي) : 3/ 36.
(3) ينظر: الجواب الصحيح: 2/ 286.
(4) ينظر ـ على سبيل المثال ـ: الكشّاف للزمخشريّ: 1/ 338، والمحرّر الوجيز لابن عطيّة: 4/ 445، والجامع
لأحكام القرآن للقرطبيّ: 6/ 181، والبحر المحيط لأبي حيّان: 3/ 500، والجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبيّ (بيروت: المكتبة العصريّة) : 1/ 426، ولسان العرب لابن منظور: 3/ 2097، مادة (سمع) .