وذهب الفرّاء إلى أنّ في الكلام موصولًا محذوفًا، أي: (ومن عبد) ، وهو معطوف على منصوب (جعل) . أي: جعل منهم من عبد الطاغوت [1] . ووافقه ابن الجوزيّ [2] .
وقد أجاب أصحاب القول الأوّل عن ذلك بما يلي:
1.أنّ اللفظ لا يدلّ عليه، لمخالفته لأصول العربيّة، فإنّ أهل العربية ـ كما قال ابن جرير ـ رحمه الله ـ يستنكرون إعمال شيء في (مَنْ) و (الذي) المضمرين، مع (مِنْ) و (في) إذا كفت (مِنْ) أو (في) منهما، ويستقبحونه، حتّى كان بعضهم يحيل ذلك، ولا يجيزه .. وكان آخرون منهم يستجيزونه على قبح.
ثمّ أنكر ـ رحمه الله ـ على من ذهب إلى القول الثاني من أهل العربيّة، فقال:"فالواجب ـ على قولهم ـ أن تكون القراءة بذلك قبيحة، وهم مع استقباحهم ذلك في الكلام، قد اختاروا القراءة بها، وإعمال (وجعل) في (مَنْ) ، وهي محذوفة مع (مِنْ) " [3] .
2.أنّ المعنى لا يناسبه، لأنّ المراد ـ كما ذكر الشيخ ـ ذمّهم على عبادتهم الطاغوت، لا مجرّد الإخبار بأنّ منهم من يعبد الطاغوت، إذ مجرّد الإخبار بهذا لا ذمّ فيه لهم.
وذكر الشيخ سببًا آخر لتأخير قول (وعبد الطاغوت) وحقّه في الترتيب أن يكون مقدّمًا، نقله عنه الألوسيّ في تفسيره، وهو الإيذان باستقلال كلّ من المقدّم والمؤخّر ... بالدلالة على ما ذكر من الشرّيّة، ولو روعي ترتيب الوجود، وقيل: (من عبد الطاغوت، ولعنه الله، وغضب عليه .. ) لربّما فُهم أنّ الشرّيّة هو المجموع [4] .
وممّا سبق يتبيّن رجحان ما ذهب إليه الشيخ ـ رحمه الله ـ ومن وافقه من الأئمّة، ويشهد لذلك: قراءة أبيّ بن كعب، وابن مسعود: (وعبدوا الطاغوت
(1) ينظر: معاني القرآن: 1/ 314.
(2) ينظر: زاد المسير: 2/ 388، وتذكرة الأريب: 1/ 143.
(3) جامع البيان: 4/ 635.
(4) ينظر: روح المعاني: 6/ 157.