وما اختاره الشيخ ـ رحمه الله ـ جامع لهذه الأقوال جميعًا، وهو اختيار عامّة المفسّرين ـ من غير التفصيل الذي ذكره الشيخ ـ، إلاّ ما روي عن أبي عبيد القاسم بن سلاّم [1] ـ رحمه الله ـ أنّها منسوخة؛ نسخ آخرها أوّلها، وتابعه المقري [2] ، وابن حزم [3] . ولم أر أحدًا من المفسّرين اختار هذا القول، بل حكم عليه بعضهم بالضعف [4] ، وذلك لأمور:
-أحدها: أنّ الأصل عدم النسخ، حتّى يقوم دليل على وقوعه، ولا دليل.
-الثاني: أنّ النسخ لا يصار إليه إلاّ عند تعذّر الجمع، فإذا أمكن الجمع، فلا يصار إلى النسخ. وهنا أمكن الجمع، فبطل القول بالنسخ.
-الثالث: أنّ الناسخ والمنسوخ لا يجتمعان في نصّ واحد، فلا بدّ من تأخّر أحدهما عن الآخر، وانفصاله عنه [5] .
قال مكيّ بن أبي طالب ـ رحمه الله ـ:"واعلم أنّ من شروط الناسخ، أن يكون منفصلًا من المنسوخ، منقطعًا عنه. فإن كان متّصلًا به غير منقطع عنه، لم يكن ناسخًا لما قبله، ممّا هو متّصل به" [6] .
(1) هو الإمام الحافظ المجتهد أبو عبيد القاسم بن سلاّم بن عبد الله. سمع سفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، وحدّث عنه أبو بكر الصاغاني، وأبو بكر بن أبي الدنيا. مات سنة أربع وعشرين ومئتين. (التاريخ الكبير: 7/ 172، وسير أعلام النبلاء: 10/ 490) .
(2) ينظر: الناسخ والمنسوخ له (بيروت: المكتب الإسلاميّ) : ص 81، 82. والمقري هو أبو القاسم هبة الله بن سلامة البغدادي الضرير المفسّر، كان من أحفظ الناس لتفسير القرآن، له كتاب الناسخ والمنسوخ، مات سنة عشر وأربع مئة. (ينظر: سير أعلام النبلاء: 17/ 311، وطبقات المفسّرين للسيوطيّ: 1/ 123) .
(3) ينظر: الناسخ والمنسوخ له: 1/ 36.
(4) ينظر: المحرّر الوجيز لابن عطيّة: 5/ 76.
(5) ينظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (القاهرة: دار الحديث) : 1/ 590، 591، والنسخ في القرآن الكريم، مفهومه، وتاريخه، ودعاواه لمحمد صالح علي مصطفى (دمشق: دار القلم) : ص 19.
(6) الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: ص 94.