-الخامس: لا يقدرون أن يقولوا فيما أنبأت به ممّا في كتبهم، كذبت.
أمّا القول الخامس، فهو خاصّ بأهل الكتاب ـ كما يظهر ـ وهو بعيد عن معنى الآية، لأنّ السورة مكيّة، والحديث إنّما هو عن المشركين، وليس لهم كتاب أصلًا. وإن كان أهل الكتاب قد يصدر منهم مثل هذا التكذيب.
وأمّا الأقوال الأخرى، فالمتأمّل فيها يجد أنّها متقاربة، بل لا تخرج عمّا ذهب إليه الشيخ من أنّ التكذيب المنفيّ، هو تكذيب القلب.
وعامّة المفسّرين يذكرون هذه الأقوال، أو بعضها، منهم ابن عطيّة ـ رحمه الله ـ لكنّه ختم هذه الأقوال بقوله:"وجميع ما في هذه التأويلات، من نفي التكذيب، إنّما هو عن اعتقاداتهم، وأمّا أقوالهم جميعهم، فمكذّبة، إمّا له، وإمّا للذي جاء به" [1] .
وتابعه أبو حيّان، فذكر نحوًا من ذلك [2] .
ويشهد لذلك، ما أخرجه الترمذيّ، وغيره، عن عليّ ـ رضي الله عنه ـ قال: قال أبو جهل للنبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: إنّا لا نكذبك، ولكن نكذّب بما جئت به. فأنزل الله: { .. فإنّهم لا يكذبونك ولكنّ ... الظلمين بايت الله يجحدون ... } [3] .
وإنّما أراد الشيخ ـ رحمه الله ـ الردّ على طائفة من المتكلّمين، زعموا أنّ الإيمان مجرّد التصديق والعلم فقط دون العمل. وأنّ كلّ من حكم الشارع بأنّه كافر مخلّد في النار، فلأنّه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق [4] .
وقد أجاب الشيخ عن ذلك بأنّه مخالف للحسّ والعقل والشرع، وما أجمع عليه أصحاب الفطر السليمة، وجماهير النظّار.
قال ـ رحمه الله ـ مبيّنًا ذلك:"فإنّ الإنسان قد يعرف أنّ الحقّ مع غيره، ومع هذا يجحد ذلك لحسده إيّاه، أو لطلب علوّه عليه، أو لهوى النفس، ويحمله"
(1) المحرّر الوجيز: 5/ 183.
(2) ينظر: البحر المحيط: 4/ 117.
(3) أخرجه الترمذي في كتاب التفسير، باب: ومن سورة الأنعام: ص 851، برقم: 3074.
(4) ممّن قال بذلك: أبو الحسن الأشعريّ ـ رحمه الله ـ وتبعه أكثر أصحابه. وأصل هذا القول، هو قول الجهم بن صفوان. وقد رجع أبو الحسن عن هذا القول، وقال بقول أهل السنّة والجماعة. (ينظر: الإبانة عن أصول الديانة: ص 11) .