فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 821

والدنيويّة، بل أعجب من ذلك: زعم بعضهم اشتماله على الحوادث الفرديّة، وقد ذكر الألوسي في تفسيره خبرًا غريبًا، تبرّأ فيه من عهدته، قال:"وقد سمعت من بعضهم ـ والعهدة عليه ـ أنّ الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربيّ ـ قدّس الله سرّه ـ وقع يومًا عن حماره، فرضّت رجله، فجاؤوا ليحملوه، فقال: أمهلوني. فأمهلوه يسيرًا، ثمّ أذن لهم فحملوه، فقيل له في ذلك، فقال: راجعت كتاب الله تعالى، فوجدت فيه خبر هذه الحادثة قد ذكرت في الفاتحة، وهذا أمر لا تصله عقولنا .." [1]

ومثل هذا، تمجّه العقول السليمة، والفطر المستقيمة، لاسيّما مع ما عرف عن هؤلاء المشائخ من الضلال والإلحاد، والعجب كلّ العجب أن تضمّن كتب التفسير مثل هذه الخزعبلات، لا جرم أنّ ذلك انحراف كبير عن معنى التفسير.

وقد أنكر الأئمّة المحقّقون القول بأنّ القرآن مشتمل على جميع العلوم، الدينية والدنيوية، ومن هؤلاء الأئمّة: الإمام الشاطبيّ [2] ـ رحمه الله ـ فإنّه ذكر"أنّ كثيرًا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحدّ، فأضافوا إليه كلّ علم يُذكر للمتقدّمين والمتأخرين، من علوم الطبيعيّات، والرياضيّات، من الهندسة وغيرها، والمنطق .. الخ، وهذا لا يصحّ، فإنّ السلف الصالح ـ من الصحابة والتابعين ومن يليهم ـ كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه، وما أودع فيه، ولم ينقل عن أحد منهم أنّه تكلّم في شيء من هذه العلوم، سوى ما ثبت من أحكام التكاليف، وأحكام الآخرة، ونحو ذلك، فدلّ ذلك على أنّ القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء ممّا زعموا".

ثمّ قال:"وربّما استدلّوا على دعواهم بقوله تعالى: {ونزّلنا عليك الكتب تبينًا لكلّ شي ... ء} ، وقوله {ما فرّطنا في ... الكتب من ... شي ... ء} ، ونحو ذلك، وهذه الآيات المراد بها عند المفسّرين: ما يتعلّق بحال التكليف، والتعبّد. أو"

(1) روح المعاني: 7/ 144. وقد ذكر هذه القصّة محمّد رشيد رضا في تفسيره (المنار) ، وأنكرها أشدّ الإنكار. ينظر: تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار (بيروت: دار المعرفة) : 7/ 395.

(2) هو إبراهيم بن موسى الغرناطي، الفقيه الأصوليّ المحقّق، صاحب كتاب الموافقات والاعتصام، مات سنة تسعين وسبع مئة. (ينظر: نيل الابتهاج بتطريز الديباج للتنبكتي(بيروت: دار الكتب العلميّة) : ص 46، وشجرة النور الزكيّة لمحمد مخلوف (بيروت: دار الترث العربي) : 1/ 231).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت