فهرس الكتاب

الصفحة 351 من 821

موسى ـ عليه السلام ـ: فلمّا ترءا الجمعان ... قال أصحب موسى ... إنّا لمدركون ... * قال كلا إنّ ... معي ... ربي

سيهدين ... [الشعراء: 61، 62] ، فأثبت الرؤية في الآية الأولى، ونفى الإدراك في الثانية، وفي هذا دليل واضح على أنّ مطلق الرؤية لا يعني الإدراك [1] .

وقولهم: لا خلاف بين أهل اللغة أنّ قول القائل: أدركت ببصري شخصًا، معناه: رأيته ببصري .. لا إشكال فيه، لأنّ الإدراك أعمّ من الرؤية. وإنّما الإشكال في مثل قول القائل: رأيت البحر، فهل يعني هذا أنّه أدركه من كلّ جوانبه. وكذا قول القائل: رأيت السماء. وبمثل هذا احتجّ الحبر ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ لمّا سأله سائل عن ذلك، فقال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى. قال: أكلّها ترى؟ قال: لا [2] .

وقولهم: لا يجوز أن يكون الإدراك بمعنى الإحاطة .. يجاب عنه بأنّ الحبر قد فسّر الإدراك بالإحاطة [3] ، وهو أعلم بتفسير القرآن، ومعاني اللغة. وعليه دلّت آيات القرآن ـ كما سبق ـ.

وكذلك قولهم: إنّ البيت محيط بما فيه، وليس مدركًا له .. فهو مردود عليهم، لأنّ الإدراك إنّما يوصف به ما كان متحرّكًا بذاته، أمّا ما كان ثابتًا، فلا يصدق عليه هذا الوصف. ألا ترى أنّك تقول: فلان أدركه الليل، وأدركه العدوّ، أي: لحقه وأحاط به. ولا تقول: أدركه الثوب، إذا لبسه. ومن ذلك: قوله تعالى عن فرعون: {حتّى إذا أدركه الغرق .. } [يونس: 90] ، أي: أحاط به، لكون الغرق إنّما نتج عن حركة الماء.

وبهذا يجاب عن دليلهم الثاني، وهو قولهم: إنّه تمدّح بنفي رؤية الأبصار .. الخ، لأنّهم إنّما بنوا ذلك على أنّ الإدراك بمعنى الرؤية.

(1) ينظر: جامع البيان: 5/ 294.

(2) ينظر: المصدر السابق: 11/ 514. وقد نسب القول إلى عكرمة. ونسبه الشيخ إلى ابن عبّاس كما في منهاج السنّة: 1/ 216.

(3) ينظر: جامع البيان: 5/ 294، والدرّ المنثور في التفسير المأثور (بيروت: دار الفكر) : 3/ 335.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت