2.قولهم: إنّ الأبصار إنّما تتعلّق بما كان في جهة أصلًا .. هذا أيضًا مبني على أنّ الإدراك بمعنى الرؤية، وقد سبق الجواب عن ذلك.
أمّا مسألة الجهة، فيجاب عمّا ذكروه بأحاديث الرؤية، وفيها:"إنّكم سترون ربّكم، كما ترون هذا القمر .." [1] . وليس في ذلك تشبيه، لأنّه إنّما شبّه الرؤية بالرؤية، ولم يشبّه المرئي بالمرئي، فالكاف في قوله:"كما ترون"مصدرية، وتقدير الكلام: (كرؤيتكم القمر ليلة البدر) [2] .
والحديث هنا ليس عن الرؤية، إنّما عن معنى قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} ، لكنّهم لمّا فسّروا الإدراك بالرؤية، بنوا على ذلك نفي الرؤية.
3.استدلالهم بقوله تعالى: {لن ... تراني ... } ، سبق الجواب عنه قريبًا في الردّ على من قال: إنّ نفي الإدراك إنّما هو في الدنيا.
4.جوابهم عمّن قال بتخصيص الآية بقوله تعالى: {وجوه يومئذٍ ناضرة * إلى ... ربّها ناظرة} [القيامة: 22، 23] ، بأنّ النظر في هذه الآية محتمل لمعان منها: انتظار الثواب .. نحن نوافقهم على القول بعدم التخصيص، وأنّ نفي الإدراك على إطلاقه. لكن لا نوافقهم على ما ذكروه من أنّ النظر في الآية محتمل لمعان، منها: انتظار الثواب .. لأنّ القول بأنّ النظر في الآية بمعنى انتظار الثواب، في غاية الضعف. والآية لا تحتمله، وذلك من وجوه [3] :
-أحدها: اقترانه بذكر الوجه، وذلك يقتضي النظر بالعين، كما قال تعالى: {قد نرى تقلّب وجهك في ... السماء .. } [البقرة: 144] .
(1) سبق تخريجه قريبًا.
(2) ينظر: مشكل الحديث وبيانه لابن فورك (بيروت: دار الكتب العلمية) : ص 88، 89، ولمعة الاعتقاد لموفق الدين ابن قدامة (بيروت: المكتب الإسلامي) : ص 23، وشرح العقيدة الواسطية لمحمّد بن عثيمين (الدمام: دار ابن الجوزي) : 1/ 107.
(3) ينظر: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة لأبي عبيد الله بن بطّة: 3/ 72، 73، والاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأهل الحديث للبيهقي (بيروت: عالم الكتب) : ص 74، 75.